
أعتقد أن علاقتي بالموت غريبة، على الأقل مقارنة بمن حولي وتعاملهم معه
هذا الزائر الذي يعود كل بضع سنوات ليذكرني بشيء لا أستطيع فهمه ولا أدري ما شعوري تجاهه! مع كل مرة أشعر بخسارة عظيمة بعِظَم الحياة وتثير في نفسي شعورا بتفاهة تصورنا عن تلك الحياة وتعاملنا معها وحجم العمى عن حقيقة
كونها هشة جدا بحيث لا يمكن تأجيل عيشها أو عيشها بطريقة غير لائقة
أعود لغرابة علاقتي بحدث الموت، حيث يبدو أني قليل الإنفعال حال وفاة من حولي، إلا أن الأموات يرافقوني لفترة تطول لسنوات، بعد أن أغلق الآخرون أبواب العزاء وعادوا لابتساماتهم وحياتهم اليومية، يَذكُرون الموتى صُورا جميلة بينما أحملهم كجرح مستمر. انتهاء الحياة هو حدث غير معقول، وهو بالأخص غير مبرر عندما يحصل فجأة أو لطفل أو شاب يأتي للحياة ويقضيها بالاستعداد لمستقبل لا يأتي أبدا. هل أخطأنا بافتراض أن الكل يجب أن يعيش حتى الهرم؟ وهل يجب أن نعيش كل يوم وكأن الغد لن يأتي؟ وأي حياة تكون عندما تُعاش بهذا العمق من الأسى؟
الجميع يكره العزاء وجُمل الصبر الفارغة، ولكني كنت أكره ناس العزاء الذين يقضونه بالأحاديث العادية، وبشكل خاص من يمزح أو يبتسم، لإيماني أن الصمت هو اللائق الوحيد أمام الموت وجلاله، إلا أني هذا المرة شاركت برذيلة المزح والابتسام، وبدأت أفهم الآخرين الذين احتقرتهم. أفهم أن الحزن أحيانا لا يطاق، وأن فيضان المشاعر قد يكسر قلوبنا إلى حد الإنهيار واللحاق بالميت، وأننا نفعل ذلك ليس بأنانية بقدر ما نحمي أحبتنا من فقد أكبر، أو حتى احتراما لذكرى الفقيد الذي أَحبّنا وكان يسوءه أن نعاني أكثر مما يجب أو فوق طاقتنا. أن نسلو أو نَحمِل رفقاء الحزن على السلوان ليست خيانة بقد ما هو تقدير لحجم المصيبة وإدراك أنها فوق فوق احتمال إدراكنا، لو تُرِكنا لتأملها كما هي، دون محاولة خداع أنفسنا بأي طريقة. ويتردد في ذهني صوت فيروز : يكاد يقضي علينا الأسى، لولا تأسينا
في صغري كنت أتجنب العزاء تماما فلا أحضره، وأتعاطف مع وفاة الأقارب البعيدين ولكني صدقا لا أشعر بشيء تجاههم مع أملي لأحبتهم أن تمر أزمتهم بسلام. لكني أذكر أن وفاة بضعة أشخاص كانت زلالزل وجدانية لم أتجاوزها، وكأنها سلسلة متصلة، وأشباح هؤلاء الأشخاص لم تفارقني وأفكر بهم كثيرا، غالبا دون انفعال وحزن. ربما هدف الطقوس الجنائزية تجنب هذا المصير بحيث ترسّخ فكرة الرحيل للعالم الآخر وأن الفقيد لم يعد معنا، كوداع أخير. ربما حزن الآخرين من حولي وانفعالهم الباكي – الذي يبدو غريبا لي – يقوم هذا الدور، فيبدون لي بعد فترة متجاوزين للفقد؟ أم ترى لديهم ذات الأشباح دون الحديث عنها؟
يذكرني الموت بالحياة، وكما أن فكرة تفاهة الحياة يمكن أن تقودنا إلى الزهد فيها أو الرغبة في عيشها أكثر دون تردد، فالموت أيضا يزهدني في تفاهة الخطط المرسومة للحياة وما “يجب”، فأجد الموت دافعا لعيش الحياة بقوة ودون تأجيل، وفي ظني أن إدراك هشاشة الحياة قد يكشف مقدار جمالها وقيمة ما قد نفقده، وهو ما ندركه عادة متأخرا بعد الفقد. قبل سنوات قليلة مات صديقي فجأة بعدما التقيته بفترة قصيرة، وكان ممتلئا بالحياة وآمال جميلة، ما جعلني أدرك الخداع الذي أعيشه بعدم عيش الحياة التي أريدها، فغيرت حياتي كثيرا ولازلت لا أستطيع الحكم على كثير من تلك القرارات، ولكن لو اقترب الموت مني الليلة لما ندمت على تلك القرارات، وربما تمنيت فعل المزيد
لا يزال الموت غريبا لي وغير مفهوما، ولا أظنه سيكون. وحتى يحين وقتي أو وقت الأحبة، سأحاول التركيز على الحياة أكثر، وحتى أشباح الراحلين لربما أجد فيها رفقة مختلفة، حتى أنضم إليهم على الطرف الآخر
الرياض، الخميس في السادس من أغسطس ٢٠٢٦








