PaperCut جرح الورق

فتَحتُ دُرجا فأطلّت أوراق قديمة، وقبل أن أتبّين ماهيتها شعرت بالحزن حيث تصورتها أوراق مراجعات لأحداث قديمة وغير جيدة. هذه نكهة من ألم أكبر زارني عند تصفح بعض الصور القديمة، حيث يبدو أن جرح الصورة أعمق. تعيدنا هذه الأشياء إلى مشاعر نسيناها ونحاول تجنبها حتى نصطدم بتلك الورقة الحادّة المختبئة وسط الأوراق المسالمة، وعليه أتفهّم حرق الصور والرسائل بعد انتهاء العلاقات كنوع من إزالة حقول الألغام، إلا أني أفضل تلك الجروح التي تذكرني بما كُنتَهُ، وأظنه سيبقى جزء مني، باختلاف أهميته حسب المرحلة

يبدو أن ارتباطنا بالصور والأوراق القديمة يزيد مع العمر، ربما في محاولة للتمسّك بذرات الساعة الرملية المتفلّته وحقيقة أنه ليس بالعمر أكثر مما مضى، أو ربما هو حنين لوقت كان يبدو فيه كلّ شيء ممكنا ومحتملا؟ وهناك أيضا القلق الوجودي من الموت، حيث تكون الصورة ربما محاولة للهرب من الفناء والنسيان، وتثبيت جزء معيّن من حياتنا أفضل من الأجزاء الأخرى وحكاية قصّة لطيفة ومريحة لا تشابه فوضى التجارب المتناقضة التي عشناها بالواقع، وتصّفح سريع لألبوم العائلة يفضح محاولة التزوير الجميلة، التي ربما تنطلي على الأطفال، قبل أن يكبروا ويكتشفوا أن ابتسامات الكبار لا تدوم طويلا 

 

قرأت نصا فلسفيا عن الصورة وكيف تكون جُرحاً، ما ذكّرني بصورة أخذتها منتصف التسعينيات مع والدتي التي توفيت بعدها بسنين طويلة. بحثت عن الصورة ووجدتها، فأعادتني لذلك الحدث الذي كان غريبا، فأمي كانت تتجنب الظهور في الصور بل ترفضها، إلا أنها ذلك اليوم لبست ثوبا جميلا وطلبت مني أخذ صورة معي وأخوتي، مبرّرة ذلك بأنها ترغب بأن يبقى لنا معها ذكرى ”بعد عمر طويل“. نبشت ذاكرتي محاولا فهم السبب وما قد يكون قد دفعها لذلك، ورجحت أنه وفي تلك الفترة مرضت أختها الكبرى بشكل هدّد حياتها، لتنجو الأخت الكبرى وتشهد بعد ذلك وفاة أمي! 

ما زاد من ألمي أنه وعلى الرغم من الاستثناء التي قامت به أمي ورغبتها بأن أحتفظ بتلك الصورة، إلاّ أني تجاهلتها وربما تجنبتها كنافذة لألم عميق لم أتصالح معه بعد ما يقارب عشرين سنه 

أهمّ حاليا بزيارة ما تبقى من الأرشيف الورقي لصور العائلة الممتد من السبيعينيات حتى بدايات الألفية، والذي عانى من تنقلنا عبر ستّ بيوت على الأقل، في أوقات كان لدينا أولويات أكبر مثل النجاة من حرب الخليج،التي لا يوجد لدينا صورة واحدة عنها من بين مئات الصور! أستمر بتأجيل البدء بالمشروع كمن يتوجس الدخول في حقل ألغام و إيقاظ خلايا الذاكرة النائمة، وإحساس بالذنب عميق تجاه علاقات كانت ذات أثر عظيم وضعفت مع السنين. سأحاول تحويل الأرشيف الورقي إلى نسخة رقمية لتوثيقه ومشاركته مع أخوتي وأولادهم، وأتساءل إن كانت النسخة الرقمية ذات تأثير أخفّ من الورقية التي تبدو حقيقية أكثر وتظهر أثر الزمن كتحفة من زمن مضى؟ وربما يؤيد ذلك نزعتنا لطباعة بعض الصور التي نودّ ”الحفاظ عليها“ من بين آلاف الصور المخزنة في هواتفنا

ملاحظة: عندما تمرر يدك على حافة ورقة جديدة ومع ضغط كافِ فإن جرحا يحصل ويسمى ذلك (بيبر كت)، ولا أعلم السبب ولكن الجرح الصغير يكون ألمه كبيرا، حتى أنه يتردد في الأفلام أنه يستخدم كأسلوب للتعذيب! وإضافة للأسباب العلمية أظنّ أن صدمة الألم جزء منها ناتج عن كونه غير متوقع من أداة عادية كالورق 

حي الصفاء، الخبر

يوم ثلاثاء ممطر وافق بداية العشر الأواخر من رمضان و العاشر من مارس للعام ٢٠٢٦

الرسائل النامانية في الديار العمانية ١٠

الرسالة العاشرة والأخيرة: اليوم التالي: عودة

إلى نامان الحكيم

انقضت أيام الجبل وحانت لحظة العودة للديار والأحبّة وتيّار الحياة اليومية. هل كان من المصادفة أن أقصد مكانا مرتفعا وأنا أسعى وراء اتضاح الرؤية؟ ارتقيت جبالا عدّة في السنوات الماضية وكنت أشعر بالضيق من الاستعجال والاندفاع في الرحلة (مع مجموعة)، كون الرِفق والأَناة هما الأليق بصحبة الجبل، وقد بدأت في استشعار ذلك معك في الجبل الياباني واليوم أتأكّد من هذه الخبرة برفقة جبل عُماني. أتفهّم اليوم وبشكل أفضل اختيارك وصف ”معسكر“ لرحلات تركز على بناء مهارات جديدة، ولكني وجدت في رحلتي ما هو أهمّ، استراحة محارب يجد في التخفف ملجأً من ضجيج التردّد والقلق الذي غطى على خيارات تبدو لي أكثر وضوحا الآن.

كانت هنالك فائدة غير متوقعة في التدريب على الكتابة! فإلى جانب الرسائل اليومية إليك، وجدتني أبدأ وبسلاسة الكتاب المؤجل، حيث تشكّلت مقدّمة الكتاب وبعض ملامحه الرئيسة، وأرجوا أن أستغلّ في قادم الأيام بعضا من هذا الزخم. بدأت مجموعة من الرسائل نحو رفقاء محتملين في مشاريع قادمة، أو على الأقلّ مستشارين أو داعمين. كما جرّبت عدّة تمارين ووصفات طعام بسيطة لاستخدامها في ترحال المشاريع القادمة طويلة الأمد.

تبدو لي العزلة تمرينا مثل النادي الرياضي والحِميات التي عادة ما أفشل فيها عدّة مرات، مع أمل أن يكون فشلي في كلّ مرة أقلّ من سابقه. كان من الصعب المزج بين العمل والتأمل خاصة مع الاضطرار لاستخدام الجوال والإنترنت. أيضا الوجود في قرية معضم الوقت، سرق وبشكل جميل جزءا من يومي.

أمّا جمال الغرف ورفاهيتها فو يدخل في باب ” لم آمر به ولم يسُئني“ بل استمتعت به، مع إمكانية تجربة التقشف مستقبلا؟

أجد جفافا في كلماتي اليوم، ربما بتأثير صالة وممرات المطار الباردة النظيفة والمعقّمة من أي نكهة؟ وربما نتيجة تفعيل منطقة التقييم في الدماغ؟ أو ربما قلق من كوني أخطأت بتوقيت الرحلة وخوف فواتها؟

شكرا لرفقتك الرمزية في هذا الرحلة، على أمل مصاحبتك واقعيا في الرحلة القادمة

عُمان، مطار مسقط، صالة المغادرين

مساء السادس عشر من فبراير للعام ٢٠٢٦

الرسائل النامانية في الديار العمانية ٩

الرسالة التاسعة: اليوم الثامن: الزمن

إلى نامان الحكيم

أبثّ إليك تأمّل اليوم عن الزمن، والذي يوصف بأنه اختراع بشري لا حقيقة موضوعية له (Social Construct)، إلا أن البشر يدركون وجودهم الفردي والجماعي بناء عليه ويقيسون به هذا الوجود، فتأمّل. من مقامي الجديد في السفح الآخر نظرت للقرية القديمة وطبقات المباني التي تعكس عصورا مختلفة صعودا يقترب من النبع حتى يصل النظر لبقايا برج قلعة روغان التي يقال أن الفرس بنوها قبل قرون عديدة. هل كان يتصور البنائون أن مباني الطين والحجر ستعمّر بعدهم مئات السنين؟ أشك بأن كثير منهم كان يدرك العمق التاريخي لتفاصيل عمله وأن يتخيّل ما سيصنع القادمون بعده، ويبدو لي (والله أعلم) أنّ رتم الحياة القديمة بطيئ حتى يبدو ثابتا ويخلوا من المراحل التي تتبدى على المدى التاريخي الطويل، أو كما نفكّر في هذا العصر بتقسيم الوقت إلى وحدات، بدلا من معاملة أحداث الحياة كنهر سيّال. أتوقع أنه كان في العالم القديم مراحل وفصول لكنها مستمدة من الطبيعة مثل الليل والنهار والفصول ومراحل نمو الإنسان أو انتقاله من بلد لآخر. حتى مزارع المسفاة المدرّجة على سفح الوادي تشهد بهذا الانسياب فلا ترى بينها أي حدود واضحة وتنعدم حولها الأسوار، كما بيوت البلدة القديمة المتصلة كمتاهة كبيرة لا تدري أين تنتهي الدار وتبدأ الأخرى، في تضاد مع القرية الجديدة ذات البيوت المستقلّة بأسوارها العالية.

في طريق العودة من المسير الصباحي صادفت شيخا من أهل القرية قارب الثمانين، وبعد السلام والتحايا ألقيت عليه سؤالا عن سبب حبّنا للنخلة وكونها أكثر الأشجار؟ على الرغم من خصوبة أرضهم التي تنتج العديد من الفواكه. قال الشيخ أن ”هذا ما وجدنا عليه آبائنا“ صدى لحكمة السنين وقوة التراث التي تنساب كالنهر الذي يبدو لأعيننا ثابتا، ولكنه يتغيير ويتأقلم مع البيئة، ببطء شديد.

بدأت يومي حسب الجدول تمرينا ثم مسيرا صباحيا فإفطار، لينفرط العقد بعد القيلولة وأتسمّر في الشرفة المطلّة على الوادي وأتأمل القرية في مسائنا الأخير، وذوبان الجدول له ما يبرره ولكن يظل ذنب خيانة البرنامج. على الرغم من الجمال الفائق لبيت التينة، شعرت اليوم بالحنين لبيتي وتسائلت عمّا إذا طال علي الأمد؟ أم أنه حنين مجدول له أن يبعث في اليوم الأخير؟

حلّ الظلام واشتدّت الريح وحان وقت الدلوف لجوف التينة لإعداد العشاء الأخير، وترتيب الأغراض للرحيل في الصباح الباكر.

عُمان، مسفاة العبريين، بيت التينة

مساء الخامس عشر من فبراير للعام ٢٠٢٦

الرسائل النامانية في الديار العمانية ٨

الرسالة الثامنة: اليوم السابع: شجرة

إلى نامان الحكيم

تحوّلت اليوم من مقام الأمبا إلى مقام التينة، ولقد تبنّيت اقتراحك بأن تكون التينة مكافأة التزام الأيام الستّ، وقد كان. حزمت حقيبتي بعد الإفطار وانطلقت مع عبدالله عبر القرية القديمة ومقصدنا تتبّع الفلج الأكبر نحو مصدر النبع أعلى الجبل، مع وقفة شخصية قبل ذلك. مررنا مسقط رأس أبا عبدالله في بيت مهجور بني في السبعينات ترك على حاله وكأنه كبسولة زمن أعادتني لطفولتي في الثمانينات، زمن الطيبين. بيت من الخرسانة لكني أزعم أن فيه من الهويّة والحنين ما لا يقلّ عن بيوت الطين، وفيه أيضا الأبواب الحديدية المزخرفة التي أوقعتني عُمان في حبها.

انطلقنا مخترقين متاهات دروب القرية لنظهر على سفح الوادي متتبعين الفَلَج الشريان الأكبر للقرية نجسّ نبضه الخافت بسبب قلّة الأمطار إلاّ أن قلبه النبع لازال نابضا يمدّ القرية بالحياة منذ قرون. مررنا بعدّة أبراج حماية تشي بجانب عنيف من الماضي نختار غالبا تجاهله، وبدا لي الفلج مختلفا عن حاله أسفل القرية بين المزارع، فلقد توقّعت أن يزداد الحجم ولكني تفاجأت بوجود الحياة حوله وداخله من أسماك صغيرة وضفادع وسحالي كبيرة. اغتسلنا عند النبع وعدنا أدراجنا لتصوير باب أخير في مصافحة وداعية للقرية، قبل الخروج منها للتسوق ثم بيت التينة على السفح المقابل للقرية القديمة، أرقبها من بعيد كصديق أعرف تفاصيل وجهه جيدا كأني ألمس تعرجاتها.

لا أعلم إن كُنتَ قابلت أبا عبدالله في زيارتك الأسبق، ولكنه شخص مثير للاهتمام، ومختلف. لربما أجدني لأوّل مرّة أمام ما يبدو لي إنطوائيا عاش في قرية، فأتخيل الضغوطات الاجتماعية التي لربما تعرّض لها، ثم أتذكّر سماحة العمانين فأرجوا أنها رأَفت به. رجل دمث قليل الكلام لا أظنه تحدث عن نفسه دون أن يُسأل، غارق في أفكاره لا يبادر بالاحتكاك بالآخرين إلا ردا على السلام، ومع ذلك وجدت له صديقا في القرية يتلهف على رؤيته واحتفى بي كرامةً لأبي عبدالله.

أبا عبدالله وحمد وغسان وعبدالله جاذَبْتُهم الأيام الماضية أكثر من الأحاديث العابرة وأشعر أني انكشفت على جوانب أصيلة من شخصيتهم، وبعدُ حسين البريطاني من أصل إيراني الذي شاركته جولة ووجبتين لكني شعرت به كصديق قديم. آتي لقرية صغيرة في رأس جبل باغيا الانعزال والتخفف من العلاقات لتتبدّى لي فرص صداقات جديدة، بالضبط كما حصل معك قبل سنة ونصف، وقد أصبحتَ من أقرب الناس لي!

أحاسيسي مشوّشة اليوم فلا أدرى هل أنا سائح أم معتزل أم عامل على مشروع؟ فلا أظنّ أن الجمع بينها متيسّر، ولربما تتضح الرؤية بختام الرحلة؟

عُمان، مسفاة العبريين، بيت التينة

مساء الرابع عشر من فبراير للعام ٢٠٢٦

الرسائل النامانية في الديار العمانية ٧

الرسالة السابعة: اليوم السادس: حمار النفس

إلى نامان الحكيم

اليوم أنهيت سادس الأيام في مقام العزلة الجزئية ويبدوا أني بلا وعي انجرفت بعض الشيء، بدأ من جسدي الذي تذكّر ألم الظهر المزمن وأصبح يشتهي الطعام بإظهار الجوع وسط اليوم، وأيضا من إسهابي في محادثة أهل القرية وإجابة دعوات الضيافة، وهو أمر تجنبته سابقا. ومع صحوة الجسد أخشى أنّ التأملات الروحية خفتت، إلا أن التقدّم في إنجاز المشروع مستمرّ.

بداية اليوم شهدت بعض الأحداث العادية جدا، دفعتني للتأمّل في حاجتنا للانتباه. وهنا لا أكمل ما ذكرته البارحة من ضعف التركيز، وإنما أقصد حاجة الفرد العميقة أن ينتبه له الآخرون، ويظهروا الاهتمام. اعتصرني الألم وأنا أشاهد شخصا يتصرف الناس حوله (وأنا منهم في البداية) كأنه غير موجود أوخفيّ و شفّاف، وعلى الرغم من الحفاوة البالغة التي قوبلت بها منذ وصلت، إلا أن الموقف يبدو أنه لامس أحد مخاوفي العميقة، ولا أتكلم هنا عن حبّ الظهور والسعي للمكانة الاجتماعية، وإنما افتقاد العلاقات الإنسانية الصادقة والعفوية.

عند المدخل الرئيس للقرية التراثية هنالك لوحة تذكارية لأحد الرحالة الأوربيين تكريما لجهوده، وعادة لا أهتم لمثل هذه الأمجاد وأرى أن السعي لها يدخل في باب الغباء، فلا ينتفع الميت من حسن الصيت في ظني ولا يحسن به أن يضحي بوقت وجهد أثناء حياته في سبيل مجد بعد انتهاءها. ولكني اليوم أجد زاوية معنى مختلف في السعي نحو بعض الأمجاد الحسنة، وإن كنت لازلت غير مقنع بطلبها شخصيا. ربما تكون هذه الأمجاد الحسنة – كخدمة الآخرين – تدخل في باب سعي الإنسان لتحفيز وتحسين نفسه مثالا له وقدوة للآخرين بأن المجتمع يستحسن هذه الأفعال ويعطيها قيمة؟

إلا أنّ ذهني المتشكك لا يكاد يذكر ذلك حتى يعود محذرا من اتباع وصفات الجماعة والثقافة، فما صلح لغيرك ليس بالضرورة صالحٌ لك، ولطالما ضحى الفرد بسعادته على مذبح المجتمع والصالح العام، وكما كانت تقول والدتي – رحمها الله – من لا ينفع نفسه فلن ينفع غيره، فيحسن بي البدء بنفسي وفيها ما يكفي لشغلى مدى الدهر.

في هذه الليلة أحزم حقيبتي النفسية قبل حزم حقيبة الأغراض صباحاً، للتحول من بيت الأمبا (المانجو) إلى بيت التينة المعتزل التام على سفح الوادي بعدا عن السياح والسيارات، التي أنوي الوصول لها مشيا عبر الوادي، دون حمار (كما اقترحت أنت) فلا أملك شوى شنطة ظهرٍ أنا حمارها. ومع تحوّل منازل المقام سأرقب تحوّل منازل النفس وأوافيك بها تباعا.

عُمان، مسفاة العبريين، بيت الأمبا

مساء الثالث عشر من فبراير للعام ٢٠٢٦

الرسائل النامانية في الديار العمانية ٦

الرسالة السادسة: اليوم الخامس: محاولة سكون

إلى نامان الحكيم

ما إن تحرّكت عجلة العمل على المشروع وتحقّق لي أنه ممكن وواعد حتى أدركت أن كثيرا من قلقي كان زائدا عن الحاجة، وانسحبت تلك السكينة نحو ما سأفعله الأشهر القادمة، والتي تحوى كثيرا من التجريب. أزعم بأني صاحب قرارات جريئة ولطالما نَصحتُ من حولي بالإقدام على المخاطرة بتحقيق الأحلام مع إعطاء النفس الإذن بالخطأ والفشل، دون أن يقلّل ذلك من تقدير الذات. ويبدوا من تأمّل اليوم أني كنت أحقّ الناس بتلك النصيحة، ولا عذر لي وأنا محاط بأحبّة يؤمنون بما أصنع ولا يتأخرون عن الدعم لحظة!

لا أقول بأني يجب أن ”أترك القلق واستمتع بالحياة“ وإنما احتاج أنّ أدرّب نفسي على تمييز الحدّ الفاصل والمرحلة التي يتوقّف عندها القلق ويُتّخذ القرار، فلا ينسكب ترّدد الخيارات على طريق قررّت مشيه وتحمّل عواقبه. لربما كان هنالك أجيال في السابق تعاني من عدم توفر خيارات الحياة، ولكني أزعم أنّ حياتنا تزدحم بضجيج الخيارات من أبسط المنتجات لأخطر القرارات مثل العمل والزواج، فلا عجب من الرغبة المتزايدة في أسلوب حياة التخفف (Minimalism) كونه يعين على صفاء الذهن وتخفيف التوتر، إضافة لفوائده المادية.

خرجت لمسير المساء الجريء بهدف الاستماع بغض النظر عن الوصول لمنطقة معينة كما الأيام الماضية. وعلى الرغم من عدم وجود هدف محدد إلاّ أن عادة الإندفاع كانت المسيطرة وقلّلت من فرص التأمل بالطبيعة الجميلة، حيث كان المشي في الوادي وبين المزارع. ”أجبرت“ نفسي على التوقف بضع مرات والاستمتاع بالمكان وحتى ”السماح“ لنفسي بالجلوس، وتذكّرت حينها أنّ لحظتي المفضلة في رحلات المسير الجبلي (هايكنغ) هي استراحة الغداء كونها تُعطى الإذن بالاسترخاء والتأمل.

رجعت للمغطس الحار محاولًا الاستمتاع به لأطول فترة ممكنة وعيش اللحظة، مدافعا الأفكار المشتتة حتّى تذكرت أن من إرشادات الاسترخاء أن تتخيل نفسك في مكان جميل فأدركت أني فعلا في مكان جميل ولا حاجة للتخيل، ثم قفز ذهني محاولا “حفظ” تفاصيل التجربة لاستخدامها للاسترخاء مستقبلا ! لا فائدة؟

عُمان، مسفاة العبريين، بيت الأمبا

مساء الثاني عشر من فبراير للعام ٢٠٢٦

الرسائل النامانية في الديار العمانية ٥

الرسالة الخامسة: اليوم الرابع: محاولة التزام

إلى نامان الحكيم

انتصف الطريق وبانت معالمه وانتَفتِ المفاجآت. بعد تفكّر في الجدول اليومي بدا لي منطقيا ما صنعته الأيام الماضية من تعديلات تتوافق مع احتياجي وطبيعتي، إلا أني أحببت أن أطبق الجدول الناماني كما هو ليوم واحد على الأقل

يبدو أنه ومع التجريب كنت احتاج وقتا طويلا ليتحقق الانسجام. على الرغم الزام نفسي بروتين صارم اليوم، بدا لي أن الأمور تسير بسلاسة أكبر من الأيام الماضية وكأن ضباب القلق والتشتت قد خَفت حدته ورقّت غلالته. انتظم نومي فصحيت مبكرا وخرجت للمسير الصباحي قبل الإفطار، مع عدم التفريط بالصيانة والتمارين قبل الخروج. انفتحت شهيتي للعمل وبدأت مسودة كتاب انتظر مني سنين طويله، لأخرج بعدها في مسير المساء الطويل وقد كان جريئا كما أوصى به النامان. حتى تجربة المغطس الساخن بدا لي أن متعتها أعمق اليوم

مع نكهة الانسجام المطلّة، يتكوّن لدي إدراك أن فكرة تغيير نمط الحياة عبر معسكر مؤقت هو أمر صعب جدا، بل مستحيل. تغيير المكان والابتعاد عن التقنية وتبني جدول يومي مختلف يساعد على التغيير، ولكن التغيير الأهم هو في نمط التفكير الراسخ في النفس التي تعوّدت وتحتاج إلى تربية ومجاهدة طويلة حتي تتعوّد على غيره. أعلم أن ذلك يبدو من البديهيات، ولكني طالما حادثت نفسي بأن التغيير يحتاج قرارا فقط وبناء خطة تفصيلية وكأني أصمم برنامج كمبيوتر أو أبرمج آلة وفقا لمعطيات عقلانية ليس للانفعال والمزاج والعلاقات دور فيها! اليوم توصلت إلى برنامج مستقرّ لتمارين الاستطالة والقوة، إلا أني أدرك أن الهدف هو تصميم برنامج مناسب، أمّا الالتزام به وحصد فوائدها فهذه رحلة مجاهدة طويلة لن تخلو من إخفاقات

ليس لدي الكثير من التأملات أبثها إليك اليوم، ولربما تكون علامة هدوء النفس وركود اضراب الأفكار، مع التركيز على الانشغال بالمشروع؟

عُمان، مسفاة العبريين، بيت الأمبا

مساء الحادي عشر من فبراير للعام ٢٠٢٦

الرسائل النامانية في الديار العمانية ٤

الرسالة الرابعة: اليوم الثالث: إسهاب

إلى نامان الحكيم

بدأت يومي ولأول مرة حسب جدولك المقترح إلاّ أن المسير الصباحي الذي كان مقدرا له خمسون دقيقة تضخم ليستهلك ساعتين أو أكثر!

بعد مسير عصر البارحة أحسست أن جسدي يستحق بعض الراحة فقررت أن أسير في مستوى القرية التي لا تخلو من طلوع ونزول، إلا أني تجنبت النزول في الوادي بين المزارع أو صعود الجبل. شدّت إنتباهي البارحة الأبواب الحديدية القديمة وغالبها بلون أخضر جميل، فقررت قضاء هذا المسير في توثيقها بشكل أفضل، إلا أنني وإن كنت وقعت في غرامها بالأمس فقد استحكمت على ذهني اليوم وشغلته. ثار الحماس وتدافعت الأفكار مابين توثيق وصور جميلة الشكل وأخرى إبداعية خارجة عن المألوف، وأنفلت الهدهد من عقاله وصرت أفكر في القيام بمشروع تصوير لهذه الأبواب والمعدات التي قد احتاجها وإشراك المجتمع المحلي واستعطافهم للحفاظ على هذا الكنز الجميل. ولكن، وكما يدرك ممارس اليوغا في تأمله أن انفلات العقل وتشتته أمر حتمي فيسعى إلى ردّه نحو التركيز والسكون بلطف، عدت لغرفتي وأوقفت سيل الأفكار المتدفق للكتابة المتأملة فيما حصل ثم أخذ حصة استرخاء ممتدة، تتيح العودة للجدول، مع احتمال العودة لفكرة المشروع بشكل أكثر هدوء ومنطقية وبعدما اختمرت الأفكار.

لاحظت نفسي وطريقتي في تصوير الأبواب مما يبدو بوضوح أنه تغيير ونموّ في ممارسة التصوير الفني واتساع في الأفق ونطاق اللغة البصرية، مقارنة بنهجي في التصوير قبل عامين. مناط اهتمامي في البداية كانت الأبواب الخضراء إلا أني صورت بعض الأبواب بألوان أخرى بل أني صورت شبابك حديدة مشابهة للأبواب، اليوم ومع التركيز الأكثر في تصوير الأبواب ظهر عندي ممارستين، الأولى توسيع نطاق الإطار ليشمل البيئة المحيطة والعكس من ذلك القرب الشديد لإظهار تفاصيل أجزاء من الأبواب مثل النقوش والكتابات وحتى الإنذارات الملصقة. أيضا خطرت لي أسئلة كثيرة عن تاريخ هذه الأبواب وقيمتها عند أهل القرية ورمزية اللون الأخضر.

قررت عدم أخذ قيلولة أملا في تحسن نومي مساء وقضيت الظهر في العمل على الجهاز المحمول، وخرجت لمسير العصر مبكرا حتى أعود قبل الغروب. كرست هذه الجولة لتوثيق الأبواب لاختلاف الإضاءة عن الصباح وكوني لم أوثق البيئة المحيطة بالأبواب التي صورتها البارحة. أسهبت في استكشاف البيوت عالي القرية ولاحظت فتيان يراقباني باهتمام بالغ ولفترة طويلة، على الرغم من سلامي عليهم. اكملت استكشاف هذا الجزء من القرية ووصلت لأطراف البنيان ناحية الجبل، وحينما هممت بالعودة سمعت صوتا يناديني من الأعلى لأجد أحد السكان وأولاده ( الصبية آنفي الذكر) يسألني عن سبب تصويري للبيوت وكان يستنكر ذلك فأوضحت له أني مهتم بالنقوش على البيبان فقط واعتذرت منه عائدا أدراجي نحو النزل، محاولا أن أكون الغريب الأديب.

جئت للتركيز على بناء مشروع واعترضني مشروع آخر، آمل أن أعيده لقمقمه حتى تعود لي السكينة، وأنهي العمل الذي جئت من أجله. الانفتاح على الفرص جيد وأحاول عدم التمادي والوقوع في التشتت.

عُمان، مسفاة العبريين، بيت الأمبا

مساء العاشر من فبراير للعام ٢٠٢٦

الرسائل النامانية في الديار العمانية ٣

الرسالة الثالثة: اليوم الثاني: أبواب 

إلى نامان الحكيم 

بداية اليوم الثاني لم تكن منضبطة حسب البرنامج، فقد نمت طويلا بسبب رحلة الطيران الساهرة، حتى كاد يفوتني الإفطار الذي التقيت فيه بحسين ووالدته وقضيت وقتا ممتعا ودعتهم في نهايته مغادرين إلى مسقط. قررت أن أقوم بالمسير الصباحي حسب الجدول فسعيت وسط البلدة مستكشفا طريق الأفلاج نحو النبع في أعلى الجبل، إلا أني عدت قبل الوصول إليه بسبب ارتفاع الشمس وعدم استعدادي. عدت لغرفتي وراجعت البرنامج مضيفا بعض التعديلات البسيطة، والزمت نفسي اتباع البرنامج بدأ من الظهيرة، ففتحت لي أبواب واعدة

باب التخطيط للمشروع

أحد أهداف هذه الرحلة هو التركيز على بناء خطة للمشروع الفني القادم، وفي الوقت المخصص للعمل لم يحضرني الإلهام أو حتى الحماس لكتابة شيء جديد، مع ذلك قررت أن أعود لملفاتي عن الموضوع لأجد أني لم أكتب الأساسيات مثل أهداف المشروع ومخرجاته المحتملة وبعض التفاصيل المهمة. لم أعمل طويلا فقد غلبني النعاس الذي صادف فترة القيلولة فاستسلمت للنوم تحت المروحة

باب التمارين

أحد التحديات التي أواجهها هو الالتزام بالتمرين وهذا التحدي سيزيد خلال هذه السنة التي تستدعي الكثير من السفر والانتقال، ما يتطلّب تمارين بسيطة يمكن عملها في أي مكان وباستخدام وزن الجسم.  ولقد تفضّلت مشكورا بتصميم مجموعة من تمارين الاستطالة وتمارين القوة إضافة إلى المسير  ثلاث مرات في اليوم. أما تمارين الاستطالة فكان فيها إسهاب مستحق حيث احسست أن بعض العضلات كانت ساكنة منذ أمد طويل، وأما تمارين القوة فقد استكشفت بعضها ولم أكمل حفظا لوقت المسير الجبلي عصرا، حيث خرجت متتبعا مسار W9 منحدرا أسفل القريه بين البيوت القديمة ثم المزارع حتى أحسست أني انحدرت كثيرا في الوادي فقررت النكوص. عدت صاعدا لمستوي القرية في وقت الغروب فقررت الصعود ومشاهدة الغروب من مكان يطل على القرية والوادي وقد كان. استغرق المساران مني قرابة الساعة والثلث، وبذلت فيها جهدا طيبا، أحسست بعده بالحاجة للاستطالة لكن المساء داهمني ففضلت الاستحمام والخروج لمخالطة الناس واستكشاف القرية مساء

أبواب الخضراء 

كان المسير اليوم ممتعا بكثير من المناظر الجميلة إلا أن أجمل ما فيه هو ملاحظة أن كثيرا من أبواب البيوت القديمة خضراء، كثير منها كانت حديدية بزخرفات بسيطة تذكرني بطفولتي في الثمانينات. ذهلتني أبواب مصفاة الخضراء بجمالها فطفقت أصورها تارة بالكمرة وتارة بالجوال حين تضيق الدروب القديمة. جمعت عددا كبيرا من تلك الأبواب الخضراء أظنه يكفي لصنع عمل فني، لكني أتطلع لجولة أخرى معها في إضاءة وقت مختلف من اليوم

باب الطعام 

بدأت اليوم الالتزام بحمية التخفف من الطعام بالقصار على البسيط منه في الإفطار (بيض وجبن) وفي العشاء زيت وزعتر، مع فاصل خفيف (تمر وزبدة فول سوداني) يرافق قهوة ما بعد القيلولة. لم أحس بالجوع اليوم وربما يعود ذلك لمخزون الطاقة في جسدي الذي ربما ينضب غدا

عُمان، مسفاة العبريين، بيت الأمبا

مساء التاسع من فبراير للعام ٢٠٢٦

الرسائل النامانية في الديار العمانية ٢

الرسالةالثانية: اليوم الأول: الأنس بالمجتمع 

إلى نامان الحكيم

وأنا أعدّ لهذه الرحلة تحديدا، كنت أخطط بما يهمّ شئوني من وصول وانتقال وإقامة دون أضع في ذهني حسابا للآخرين، فمن جهة غرض الرحلة هو العزلة والتأمل ومن ناحية أخرى تعوّدت على التفكير في السفر كونه نشاطا فرديا يشمل آخرين غرباء لا يلزمني نحوهم أي شيء مهم مثل تعديل جدولي لقضاء وقت إضافي معهم. ولكن تجربتي هذا اليوم كانت مختلفة

وصلت رحلتي لمسقط فجرا بوقت أبكر من المتوقع وكنت أظن أن السائق الذي سينقلني لوجهتي البعيدة سيتأخر، إلا أنه كان ينتظرني بروح طيبة وأدب عماني جمّ. رحلة الساعتين التي كنت أتوقع أنها ستكون سلسلة من المناظر الجميلة يتخللها محادثات قصيرة مع السائق فيها من المجاملة الكثير وبعض المعلومات عن المنطقة وسكانها، تحوّلت إلى حديث ممتع ومتّصل مع أبو عبدالله الذي أكرمني بالكرك قبل الإنطلاق ثم أفاض علي الكثير من المعلومات عن المنطقة ووجدتني أتبادل معه الكثير من المعلومات الشخصية، لنتوقف للإفطار وبعض التسوق قبل دخول قرية مسفاة العبريين التي كانت قرية آباءه وأجداده. وصلت للقرية وقد كسبت صديقا من أهلها. صاحب النزل حمد كان أيضا من أبناء القرية الذين استصلحوها لحماية تراثها عبر تحويلها لمركز سياحي، قدّم لنا جولة في القرية للتعريف بأنحاءها وتاريخها، إلا أن لطفه الصادق وكرمه أمتّد فوق واجب العمل فأفاض علينا برفقة جميلة وأحاديث فيها من عبق المكان والثقافة والتاريخ، ولم يسأله أحد من الضيوف عن شيء إلا وأجابه لما يريد كأنه لا يعرف للاعتذار طريقا.  في الجولة تعرّفت على حسين البريطاني من أصل إيراني الذي يزور القرية مع أمّه السيدة الطيبة أم فريد، وكان حسين اجتماعيا بشكل لطيف مهتما بصدق في التعرف على الناس والتعلّم منهم، والتقيته وأمه على العشاء والفطور لأقضي معهم وقتا ممتعا لا يكون إلا بين الأصدقاء

هذا الاستطراد الاجتماعي لاشكّ شغل حيزا من وقت اليوم الأول كنت آمل أن أقضيه في ترتيب جدول المعسكر وضبط ايقاع القادم من أيامه، إلا أنه كان هدية جميلة من الحياة التي تعصى على من يَروم التحكم بها وتكافئ من يساير تيار أحداثها، الأقوى من كبريائنا

إضافة إلى الأُنس بلقيا أشخاص طيبين ذوو مشاعر صادقة وشخصيات جميلة، شغلني أيضا جمال المكان فالنزل كان جميلا باتساقه مع البيئة ( نزل بيت الأنبا ”شجرة المانغو“) وغرفتي كانت فوق توقعاتي مع جلسة خاصة بإطلالة هادئة على المزارع، والقرية وشوارعها العتيقة مغرية بالاستكشاف والتأمل والكثير من التصوير

ارتحلت متخففا من المتاع، فاشتريت بعض الأغراض التقليدية (إزار وعصى وصابونة) التي أضفت نكهة محلية على المكان. نِمت مبكرا وصحيت متأخرا فيما يبدو تعويضا عن ليلة السفر والسهر بين الرياض ومسقط، وآمل أن أنجح في ضبط إيقاع جدول المعسكر هذا اليوم.

 

عُمان، مسفاة العبريين، بيت الأمبا

صباح التاسع من فبراير للعام ٢٠٢٦