الرسائل النامانية في الديار العمانية ٢

الرسالةالثانية: اليوم الأول: الأنس بالمجتمع 

إلى نامان الحكيم

وأنا أعدّ لهذه الرحلة تحديدا، كنت أخطط بما يهمّ شئوني من وصول وانتقال وإقامة دون أضع في ذهني حسابا للآخرين، فمن جهة غرض الرحلة هو العزلة والتأمل ومن ناحية أخرى تعوّدت على التفكير في السفر كونه نشاطا فرديا يشمل آخرين غرباء لا يلزمني نحوهم أي شيء مهم مثل تعديل جدولي لقضاء وقت إضافي معهم. ولكن تجربتي هذا اليوم كانت مختلفة

وصلت رحلتي لمسقط فجرا بوقت أبكر من المتوقع وكنت أظن أن السائق الذي سينقلني لوجهتي البعيدة سيتأخر، إلا أنه كان ينتظرني بروح طيبة وأدب عماني جمّ. رحلة الساعتين التي كنت أتوقع أنها ستكون سلسلة من المناظر الجميلة يتخللها محادثات قصيرة مع السائق فيها من المجاملة الكثير وبعض المعلومات عن المنطقة وسكانها، تحوّلت إلى حديث ممتع ومتّصل مع أبو عبدالله الذي أكرمني بالكرك قبل الإنطلاق ثم أفاض علي الكثير من المعلومات عن المنطقة ووجدتني أتبادل معه الكثير من المعلومات الشخصية، لنتوقف للإفطار وبعض التسوق قبل دخول قرية مسفاة العبريين التي كانت قرية آباءه وأجداده. وصلت للقرية وقد كسبت صديقا من أهلها. صاحب النزل حمد كان أيضا من أبناء القرية الذين استصلحوها لحماية تراثها عبر تحويلها لمركز سياحي، قدّم لنا جولة في القرية للتعريف بأنحاءها وتاريخها، إلا أن لطفه الصادق وكرمه أمتّد فوق واجب العمل فأفاض علينا برفقة جميلة وأحاديث فيها من عبق المكان والثقافة والتاريخ، ولم يسأله أحد من الضيوف عن شيء إلا وأجابه لما يريد كأنه لا يعرف للاعتذار طريقا.  في الجولة تعرّفت على حسين البريطاني من أصل إيراني الذي يزور القرية مع أمّه السيدة الطيبة أم فريد، وكان حسين اجتماعيا بشكل لطيف مهتما بصدق في التعرف على الناس والتعلّم منهم، والتقيته وأمه على العشاء والفطور لأقضي معهم وقتا ممتعا لا يكون إلا بين الأصدقاء

هذا الاستطراد الاجتماعي لاشكّ شغل حيزا من وقت اليوم الأول كنت آمل أن أقضيه في ترتيب جدول المعسكر وضبط ايقاع القادم من أيامه، إلا أنه كان هدية جميلة من الحياة التي تعصى على من يَروم التحكم بها وتكافئ من يساير تيار أحداثها، الأقوى من كبريائنا

إضافة إلى الأُنس بلقيا أشخاص طيبين ذوو مشاعر صادقة وشخصيات جميلة، شغلني أيضا جمال المكان فالنزل كان جميلا باتساقه مع البيئة ( نزل بيت الأنبا ”شجرة المانغو“) وغرفتي كانت فوق توقعاتي مع جلسة خاصة بإطلالة هادئة على المزارع، والقرية وشوارعها العتيقة مغرية بالاستكشاف والتأمل والكثير من التصوير

ارتحلت متخففا من المتاع، فاشتريت بعض الأغراض التقليدية (إزار وعصى وصابونة) التي أضفت نكهة محلية على المكان. نِمت مبكرا وصحيت متأخرا فيما يبدو تعويضا عن ليلة السفر والسهر بين الرياض ومسقط، وآمل أن أنجح في ضبط إيقاع جدول المعسكر هذا اليوم.

 

عُمان، مسفاة العبريين، بيت الأمبا

صباح التاسع من فبراير للعام ٢٠٢٦