الرسالة التاسعة: اليوم الثامن: الزمن

إلى نامان الحكيم
أبثّ إليك تأمّل اليوم عن الزمن، والذي يوصف بأنه اختراع بشري لا حقيقة موضوعية له (Social Construct)، إلا أن البشر يدركون وجودهم الفردي والجماعي بناء عليه ويقيسون به هذا الوجود، فتأمّل. من مقامي الجديد في السفح الآخر نظرت للقرية القديمة وطبقات المباني التي تعكس عصورا مختلفة صعودا يقترب من النبع حتى يصل النظر لبقايا برج قلعة روغان التي يقال أن الفرس بنوها قبل قرون عديدة. هل كان يتصور البنائون أن مباني الطين والحجر ستعمّر بعدهم مئات السنين؟ أشك بأن كثير منهم كان يدرك العمق التاريخي لتفاصيل عمله وأن يتخيّل ما سيصنع القادمون بعده، ويبدو لي (والله أعلم) أنّ رتم الحياة القديمة بطيئ حتى يبدو ثابتا ويخلوا من المراحل التي تتبدى على المدى التاريخي الطويل، أو كما نفكّر في هذا العصر بتقسيم الوقت إلى وحدات، بدلا من معاملة أحداث الحياة كنهر سيّال. أتوقع أنه كان في العالم القديم مراحل وفصول لكنها مستمدة من الطبيعة مثل الليل والنهار والفصول ومراحل نمو الإنسان أو انتقاله من بلد لآخر. حتى مزارع المسفاة المدرّجة على سفح الوادي تشهد بهذا الانسياب فلا ترى بينها أي حدود واضحة وتنعدم حولها الأسوار، كما بيوت البلدة القديمة المتصلة كمتاهة كبيرة لا تدري أين تنتهي الدار وتبدأ الأخرى، في تضاد مع القرية الجديدة ذات البيوت المستقلّة بأسوارها العالية.
في طريق العودة من المسير الصباحي صادفت شيخا من أهل القرية قارب الثمانين، وبعد السلام والتحايا ألقيت عليه سؤالا عن سبب حبّنا للنخلة وكونها أكثر الأشجار؟ على الرغم من خصوبة أرضهم التي تنتج العديد من الفواكه. قال الشيخ أن ”هذا ما وجدنا عليه آبائنا“ صدى لحكمة السنين وقوة التراث التي تنساب كالنهر الذي يبدو لأعيننا ثابتا، ولكنه يتغيير ويتأقلم مع البيئة، ببطء شديد.
بدأت يومي حسب الجدول تمرينا ثم مسيرا صباحيا فإفطار، لينفرط العقد بعد القيلولة وأتسمّر في الشرفة المطلّة على الوادي وأتأمل القرية في مسائنا الأخير، وذوبان الجدول له ما يبرره ولكن يظل ذنب خيانة البرنامج. على الرغم من الجمال الفائق لبيت التينة، شعرت اليوم بالحنين لبيتي وتسائلت عمّا إذا طال علي الأمد؟ أم أنه حنين مجدول له أن يبعث في اليوم الأخير؟
حلّ الظلام واشتدّت الريح وحان وقت الدلوف لجوف التينة لإعداد العشاء الأخير، وترتيب الأغراض للرحيل في الصباح الباكر.
عُمان، مسفاة العبريين، بيت التينة
مساء الخامس عشر من فبراير للعام ٢٠٢٦