PaperCut جرح الورق

فتَحتُ دُرجا فأطلّت أوراق قديمة، وقبل أن أتبّين ماهيتها شعرت بالحزن حيث تصورتها أوراق مراجعات لأحداث قديمة وغير جيدة. هذه نكهة من ألم أكبر زارني عند تصفح بعض الصور القديمة، حيث يبدو أن جرح الصورة أعمق. تعيدنا هذه الأشياء إلى مشاعر نسيناها ونحاول تجنبها حتى نصطدم بتلك الورقة الحادّة المختبئة وسط الأوراق المسالمة، وعليه أتفهّم حرق الصور والرسائل بعد انتهاء العلاقات كنوع من إزالة حقول الألغام، إلا أني أفضل تلك الجروح التي تذكرني بما كُنتَهُ، وأظنه سيبقى جزء مني، باختلاف أهميته حسب المرحلة

يبدو أن ارتباطنا بالصور والأوراق القديمة يزيد مع العمر، ربما في محاولة للتمسّك بذرات الساعة الرملية المتفلّته وحقيقة أنه ليس بالعمر أكثر مما مضى، أو ربما هو حنين لوقت كان يبدو فيه كلّ شيء ممكنا ومحتملا؟ وهناك أيضا القلق الوجودي من الموت، حيث تكون الصورة ربما محاولة للهرب من الفناء والنسيان، وتثبيت جزء معيّن من حياتنا أفضل من الأجزاء الأخرى وحكاية قصّة لطيفة ومريحة لا تشابه فوضى التجارب المتناقضة التي عشناها بالواقع، وتصّفح سريع لألبوم العائلة يفضح محاولة التزوير الجميلة، التي ربما تنطلي على الأطفال، قبل أن يكبروا ويكتشفوا أن ابتسامات الكبار لا تدوم طويلا 

 

قرأت نصا فلسفيا عن الصورة وكيف تكون جُرحاً، ما ذكّرني بصورة أخذتها منتصف التسعينيات مع والدتي التي توفيت بعدها بسنين طويلة. بحثت عن الصورة ووجدتها، فأعادتني لذلك الحدث الذي كان غريبا، فأمي كانت تتجنب الظهور في الصور بل ترفضها، إلا أنها ذلك اليوم لبست ثوبا جميلا وطلبت مني أخذ صورة معي وأخوتي، مبرّرة ذلك بأنها ترغب بأن يبقى لنا معها ذكرى ”بعد عمر طويل“. نبشت ذاكرتي محاولا فهم السبب وما قد يكون قد دفعها لذلك، ورجحت أنه وفي تلك الفترة مرضت أختها الكبرى بشكل هدّد حياتها، لتنجو الأخت الكبرى وتشهد بعد ذلك وفاة أمي! 

ما زاد من ألمي أنه وعلى الرغم من الاستثناء التي قامت به أمي ورغبتها بأن أحتفظ بتلك الصورة، إلاّ أني تجاهلتها وربما تجنبتها كنافذة لألم عميق لم أتصالح معه بعد ما يقارب عشرين سنه 

أهمّ حاليا بزيارة ما تبقى من الأرشيف الورقي لصور العائلة الممتد من السبيعينيات حتى بدايات الألفية، والذي عانى من تنقلنا عبر ستّ بيوت على الأقل، في أوقات كان لدينا أولويات أكبر مثل النجاة من حرب الخليج،التي لا يوجد لدينا صورة واحدة عنها من بين مئات الصور! أستمر بتأجيل البدء بالمشروع كمن يتوجس الدخول في حقل ألغام و إيقاظ خلايا الذاكرة النائمة، وإحساس بالذنب عميق تجاه علاقات كانت ذات أثر عظيم وضعفت مع السنين. سأحاول تحويل الأرشيف الورقي إلى نسخة رقمية لتوثيقه ومشاركته مع أخوتي وأولادهم، وأتساءل إن كانت النسخة الرقمية ذات تأثير أخفّ من الورقية التي تبدو حقيقية أكثر وتظهر أثر الزمن كتحفة من زمن مضى؟ وربما يؤيد ذلك نزعتنا لطباعة بعض الصور التي نودّ ”الحفاظ عليها“ من بين آلاف الصور المخزنة في هواتفنا

ملاحظة: عندما تمرر يدك على حافة ورقة جديدة ومع ضغط كافِ فإن جرحا يحصل ويسمى ذلك (بيبر كت)، ولا أعلم السبب ولكن الجرح الصغير يكون ألمه كبيرا، حتى أنه يتردد في الأفلام أنه يستخدم كأسلوب للتعذيب! وإضافة للأسباب العلمية أظنّ أن صدمة الألم جزء منها ناتج عن كونه غير متوقع من أداة عادية كالورق 

حي الصفاء، الخبر

يوم ثلاثاء ممطر وافق بداية العشر الأواخر من رمضان و العاشر من مارس للعام ٢٠٢٦