الرسالة السابعة: اليوم السادس: حمار النفس

إلى نامان الحكيم
اليوم أنهيت سادس الأيام في مقام العزلة الجزئية ويبدوا أني بلا وعي انجرفت بعض الشيء، بدأ من جسدي الذي تذكّر ألم الظهر المزمن وأصبح يشتهي الطعام بإظهار الجوع وسط اليوم، وأيضا من إسهابي في محادثة أهل القرية وإجابة دعوات الضيافة، وهو أمر تجنبته سابقا. ومع صحوة الجسد أخشى أنّ التأملات الروحية خفتت، إلا أن التقدّم في إنجاز المشروع مستمرّ.
بداية اليوم شهدت بعض الأحداث العادية جدا، دفعتني للتأمّل في حاجتنا للانتباه. وهنا لا أكمل ما ذكرته البارحة من ضعف التركيز، وإنما أقصد حاجة الفرد العميقة أن ينتبه له الآخرون، ويظهروا الاهتمام. اعتصرني الألم وأنا أشاهد شخصا يتصرف الناس حوله (وأنا منهم في البداية) كأنه غير موجود أوخفيّ و شفّاف، وعلى الرغم من الحفاوة البالغة التي قوبلت بها منذ وصلت، إلا أن الموقف يبدو أنه لامس أحد مخاوفي العميقة، ولا أتكلم هنا عن حبّ الظهور والسعي للمكانة الاجتماعية، وإنما افتقاد العلاقات الإنسانية الصادقة والعفوية.
عند المدخل الرئيس للقرية التراثية هنالك لوحة تذكارية لأحد الرحالة الأوربيين تكريما لجهوده، وعادة لا أهتم لمثل هذه الأمجاد وأرى أن السعي لها يدخل في باب الغباء، فلا ينتفع الميت من حسن الصيت في ظني ولا يحسن به أن يضحي بوقت وجهد أثناء حياته في سبيل مجد بعد انتهاءها. ولكني اليوم أجد زاوية معنى مختلف في السعي نحو بعض الأمجاد الحسنة، وإن كنت لازلت غير مقنع بطلبها شخصيا. ربما تكون هذه الأمجاد الحسنة – كخدمة الآخرين – تدخل في باب سعي الإنسان لتحفيز وتحسين نفسه مثالا له وقدوة للآخرين بأن المجتمع يستحسن هذه الأفعال ويعطيها قيمة؟
إلا أنّ ذهني المتشكك لا يكاد يذكر ذلك حتى يعود محذرا من اتباع وصفات الجماعة والثقافة، فما صلح لغيرك ليس بالضرورة صالحٌ لك، ولطالما ضحى الفرد بسعادته على مذبح المجتمع والصالح العام، وكما كانت تقول والدتي – رحمها الله – من لا ينفع نفسه فلن ينفع غيره، فيحسن بي البدء بنفسي وفيها ما يكفي لشغلى مدى الدهر.
في هذه الليلة أحزم حقيبتي النفسية قبل حزم حقيبة الأغراض صباحاً، للتحول من بيت الأمبا (المانجو) إلى بيت التينة المعتزل التام على سفح الوادي بعدا عن السياح والسيارات، التي أنوي الوصول لها مشيا عبر الوادي، دون حمار (كما اقترحت أنت) فلا أملك شوى شنطة ظهرٍ أنا حمارها. ومع تحوّل منازل المقام سأرقب تحوّل منازل النفس وأوافيك بها تباعا.
عُمان، مسفاة العبريين، بيت الأمبا
مساء الثالث عشر من فبراير للعام ٢٠٢٦