الرسائل النامانية في الديار العمانية ٤

الرسالة الرابعة: اليوم الثالث: إسهاب

إلى نامان الحكيم

بدأت يومي ولأول مرة حسب جدولك المقترح إلاّ أن المسير الصباحي الذي كان مقدرا له خمسون دقيقة تضخم ليستهلك ساعتين أو أكثر!

بعد مسير عصر البارحة أحسست أن جسدي يستحق بعض الراحة فقررت أن أسير في مستوى القرية التي لا تخلو من طلوع ونزول، إلا أني تجنبت النزول في الوادي بين المزارع أو صعود الجبل. شدّت إنتباهي البارحة الأبواب الحديدية القديمة وغالبها بلون أخضر جميل، فقررت قضاء هذا المسير في توثيقها بشكل أفضل، إلا أنني وإن كنت وقعت في غرامها بالأمس فقد استحكمت على ذهني اليوم وشغلته. ثار الحماس وتدافعت الأفكار مابين توثيق وصور جميلة الشكل وأخرى إبداعية خارجة عن المألوف، وأنفلت الهدهد من عقاله وصرت أفكر في القيام بمشروع تصوير لهذه الأبواب والمعدات التي قد احتاجها وإشراك المجتمع المحلي واستعطافهم للحفاظ على هذا الكنز الجميل. ولكن، وكما يدرك ممارس اليوغا في تأمله أن انفلات العقل وتشتته أمر حتمي فيسعى إلى ردّه نحو التركيز والسكون بلطف، عدت لغرفتي وأوقفت سيل الأفكار المتدفق للكتابة المتأملة فيما حصل ثم أخذ حصة استرخاء ممتدة، تتيح العودة للجدول، مع احتمال العودة لفكرة المشروع بشكل أكثر هدوء ومنطقية وبعدما اختمرت الأفكار.

لاحظت نفسي وطريقتي في تصوير الأبواب مما يبدو بوضوح أنه تغيير ونموّ في ممارسة التصوير الفني واتساع في الأفق ونطاق اللغة البصرية، مقارنة بنهجي في التصوير قبل عامين. مناط اهتمامي في البداية كانت الأبواب الخضراء إلا أني صورت بعض الأبواب بألوان أخرى بل أني صورت شبابك حديدة مشابهة للأبواب، اليوم ومع التركيز الأكثر في تصوير الأبواب ظهر عندي ممارستين، الأولى توسيع نطاق الإطار ليشمل البيئة المحيطة والعكس من ذلك القرب الشديد لإظهار تفاصيل أجزاء من الأبواب مثل النقوش والكتابات وحتى الإنذارات الملصقة. أيضا خطرت لي أسئلة كثيرة عن تاريخ هذه الأبواب وقيمتها عند أهل القرية ورمزية اللون الأخضر.

قررت عدم أخذ قيلولة أملا في تحسن نومي مساء وقضيت الظهر في العمل على الجهاز المحمول، وخرجت لمسير العصر مبكرا حتى أعود قبل الغروب. كرست هذه الجولة لتوثيق الأبواب لاختلاف الإضاءة عن الصباح وكوني لم أوثق البيئة المحيطة بالأبواب التي صورتها البارحة. أسهبت في استكشاف البيوت عالي القرية ولاحظت فتيان يراقباني باهتمام بالغ ولفترة طويلة، على الرغم من سلامي عليهم. اكملت استكشاف هذا الجزء من القرية ووصلت لأطراف البنيان ناحية الجبل، وحينما هممت بالعودة سمعت صوتا يناديني من الأعلى لأجد أحد السكان وأولاده ( الصبية آنفي الذكر) يسألني عن سبب تصويري للبيوت وكان يستنكر ذلك فأوضحت له أني مهتم بالنقوش على البيبان فقط واعتذرت منه عائدا أدراجي نحو النزل، محاولا أن أكون الغريب الأديب.

جئت للتركيز على بناء مشروع واعترضني مشروع آخر، آمل أن أعيده لقمقمه حتى تعود لي السكينة، وأنهي العمل الذي جئت من أجله. الانفتاح على الفرص جيد وأحاول عدم التمادي والوقوع في التشتت.

عُمان، مسفاة العبريين، بيت الأمبا

مساء العاشر من فبراير للعام ٢٠٢٦