الرسائل النامانية في الديار العمانية ١

الرسالة الأولى: اليوم السابق: الرحيل

إلى نامان الحكيم 

شكرا لرفقتك القيّمة في رحلتي، وإن لم تحضر جسدا وصوتا فقد شكّلت جهودك وآرائك ملامح الطريق، ويكفيني مرشدا استحضار معيّتك نهاية كل يوم في الرحلة لأدخل حوارا معك وفق سنّة الهانسيكاي التي أخذتها عنك، مراجعةً وتحسيناً لنهج الرحلة وتفكّراً بمآلاتها

أحتسي قهوتي في المطار لا كما كنت أفعل سابقا سائحا أو ساعيا لعمل، وإنما هي وجهة مختلفة لا تحتاج طائرة أو قطارا، رحلة في النفس وحوارا معها وتأمّلا في الحياة والمعنى الذي أصنعه منها. أرجوا أن يكون الإنقطاع عن المألوف من الأقوال والأفعال والعلاقات مُعينا على هذا التفكّر وإبطاءً لعجلة دوران الحياة اليومية، التي لا تتيح لنا كثيرا من الوقت أو عمقا في التفكّر لمراجعة الوجهة وخيارات عيش الحياة القصيرة ومعنى الأشياء التي نفعلها وأهميتها. أعترف أن هذه الصحوة والقرار بالانعزال لما يزيد عن أسبوع للتأمل في هذه القضايا لم يكن نتيجة جرأة ووعي وقدرة على تحدي تيار الحياة ومشاغلها، بقدر ما كانت ظروفا مواتية ونافذة فُتحت، على الرغم مني

تخطيت منتصف الأربعين، وأجدني اليوم بلا إجابات كنت آمل وصولها قبل ذلك بكثير، بل أجدني اليوم أشبه بحالة الطفولة مليء بالدهشة والاحتمالات الكثيرة والأسئلة الأكثر. قَطعتُ شوطا طويلا في التعلّم والمهنة لأغلق بابها دون ضجيج الناقدين واللائمين والمشفقين، لأفتح بابا فيه الكثير من التجريب والإثارة والمتعة وأيضا المخاطرة، طريق يحفني فيه ثلّة من القلوب المحبّة والعقول النيرة. على ما يبدو من وضوح في هذا التحوّل إلا أنه يتطلّب الكثير من التأني والتأمل والقرارات، والأخطاء. وبداية الطريق وتحديد وجهته بلا شكّ أحق بالتوقّف والتفكّر. 

أسعى في الأيام القليلة القادمة أن تهدأ روحي، أن تتضح رؤية ما أريد أن أصنع في عدّة مشاريع تجريبية قررتها أو حتى التراجع عن بعضها، وأن أتلمس أسلوبا للحياة يشبه ذاتي الحالية. أشعر بضبابية من صحى توا ولم يدرك الحد بين الحلم والواقع، أين هو؟ وما الوقت؟ وعضلة التفكير لم تعمل بعد. 

خرج النداء يدعوني لبوابة السفر، لأتركك الآن وأعود لك غدا في مساء هادئ لقرية عمانية تغفو بين أكناف الجبال.

الرياض، مطار الملك خالد، صالة ٣ 

فجر اليوم الثامن من فبراير للعام ٢٠٢٦

الرسائل النامانية في الديار العمانية

هنا مقدّمة قصيرة لعشر رسائل كتبتها لصديقي النامان أثناء رحلة لثمانية أيام، إستراحة محارب بعد تجربة العمل لمدة

سنة ومحاولة لإعادة ضبط الاعدادات للسنة القادمة.

النامان

صديق حكيم تعرفت عليه في اليابان قبل أقلّ من سنتين، لكن التوافق بيننا يضعه في مقام المصطفين والأصدقاء المقربين. ساعدني في تصميم هذه التجربة باختبار الوجهة وصنع جدول يومي يشمل الفعاليات والتمارين والغذاء. فله كلّ الشكر والتقدير

مسفاة العبريين

قرية تراثية في جبل عماني، غير بعيد من مسقط، إلاّ أنها إلى نزوى أقرب. تحفها مدرجات المزارع التي يغذيها نبع ينحدر إليها من أعالي الجبل، ويعمل فيها حاليا أحفاد الذين بنوا القرية، ولازال السكّان يتعاهدون المزارع ثم يعودون لبيوتهم الجديدة التي تفتح نوافذها على منظر القرية القديمة، من السفح الآخر للوادي.

بيت الأمبا(شجرة المانغو): نُزُل في القرية التراثية أخذت فيه ركنيا قصيا، لا أشارك قاطنيه سوى الإفطار مطلع النهار

وقهوة عمانية عند أفول الشمس

بيت التينة: غرفة جميلة وسط المزارع على السفح المقابل للقرية التراثية، عزلة تامة وجميلة.

نداء

إلى نامان الحكيم 

سلام من الرحمن على الأصدقاء الأوفياء، خير زاد وكنز عظيم خلت منه خزائن الأغنياء.
 أبعث لك خواطري تترى دون تنسيق أو تزويق، مسترشدا حين ضياع، فكن لي شمس تبريز أكن لك روميا

أما بعد، فقد تجاوز عمري انتصاف الحياة، وكنت آمل في مقتبلها أن يتّضح الطريق وتهدأ النفس في الأربعين التي أشعلت الرأس تساؤلا، فلا علمٌ يفيد ولا خبرة، سوى التعلق بأهداب المحبّة والخالص من الأحبّة. يبدو لي أنه لطالما كان مسار حياتي الماضية مرسوما بمعالم واضحة من دراسة ومهنة بخطوات وتوقعات واضحة، فما أن حققت جلّها وزهدت بالباقي حتى غلبتني الحيرة بما أصنع بحريّة أن أكون أي شيء أريد، فتحقق عندي مراد العظيم فروم من تأليف كتابه المعنون بالهروب من الحرية

أخي المحب. أنا اليوم خليّ من ارتباط العمل والعلاقات التي تقيّد جلّ الناس وتشدّ أوتادهم للأرض، أنعم بصحة جيدة آمل رعايتها ذخرا لشيبتي والتمتّع بباقي الأيام. تنزعُ نفسي للتخفف من الأشياء والأفكار، طمعا في التركيز على كلّ ما يحمل معنى عميقا ويشبهني من علاقات وأفكار وإنتاج، وأعاني من تشتت عقلي وجهدي بين مسارات متعددة من الإبداع مثل التصوير والكتابة وصنع الأشياء اليدوية. عقلي كهدهد كثير التنقل يشدهه أخفّ الأصوات وأتفهها عمّا كان يصنع، ما خلق غرابة كنت أحبها واليوم أجدها متعبة. عندي ما يكفي من القوت لعام أو يزيد، آمل أن أكرسه لتجربة أسلوب حياة مختلف، من بين عدّة مسارات استكشفتها سابقا قبل عام مضى وتجربة خلت تشابه بدرجة أخفّ ما أنا بصدده اليوم. أودّ مراجعة المهم في حياتي وما سأخسره لو اكتفيت به، فقد تخليت منذ زمن عن فكرة أن أعطى أفضل مالدي، كونه يستهلكني فلا يبقى شيء، ولا شيء يستحق الفناء فيه سوى الحب

أَعلَمُ أن الهوية قرار، فلا تُستجدي من الآخرين، إلا أنها تنبع من التجارب التي تكشف طياتها الخفية عن الذات، والآخرون أحيانا مرآة تكشف لنا أفضل وأسوأ وأعجب ما جهلناه عن أنفسنا وما يمكن أن نكونه. وقد آمنت منذ وقت  أنه لا بد من البروز للحياة حتّى تحسّ بنسائم العيش وتحدث لك عجائبها، وأنا مدين لتلك الأحداث والأشخاص الفُرداء الذين لم أكن لأقابلهم لو سكنت للمعتاد المألوف ونفور النفس من المجهول. أعلم أن شخصيتي تغيرت مع السنين وأكاد أجزم أن من عرفني قبل عشر سنين كان ليُنكِرني اليوم بعد الغياب. و أنا بعد لازلت أُصنَع بالتجارب والأشخاص والتأمّل، إلاّ أني اليوم أقلّ مقاومة وأكثر استسلاما لنواميس الحياة

أعلم أنّ ما أطلبه عزيز، حتى على حكيم مثلك، وإنما هي مشاركة الوجدان طمعا في لمعة خاطر لطالما تفكّر في أحوال الإنسان، وبلغ مرتبة عالية في حوار النفس فاق بها الأقران

Pacman

هل يمكن أن تفقد الطريق بعدما وجدته؟

 

في الفترة الأخيرة أشعر بأني أدور في متاهة منتظمة جدا. وجدت فرص كنت أبحث عنها، ولا أشعر بأني وصلت 

في الثمانينات كانت أشهر لعبة الكترونية هي (باكمان) كرة صفراء بفم كبير وعين صغيرة، يدور داخل متاهة مغلقة ويجمع النقاط، يتجنب الأشباح التي تشاركه المتاهة ويطاردونه، إلا إذا أكل حبّة القوة حينها يبدأ بمطاردتهم وقتلهم، إلا أن

مفعولها يزول بسرعة، ليعود مطاردا 

أحس بالتعاطف مع باكمان وأحسّ بأني محاصر أتقلب بين الحماس والخوف والامتنان والحزن 

حماس ساعات العمل ونشوة إنجاز مهمات صعبة أو حضور مناسبات مثرية والتعرف على أشخاص مميزين، تزول لصالح أسئلة عالقة من الفترة الماضية عن إتجاه الحياة الذي يستحق تكريس وقتي وجهدي له؟ المزاج الذي يغوص تحت وطأة إدراكي أني لن أستطيع تحقيق كل ما أرغب به، وظيفة بدوام كامل وفنّ عميق. على الورق الأمور مبشّرة ولكن بين

السطور تلوح النُذر. أنا مرهق

أعرف إجابة أسئلتي ولكن لا أملك شجاعة الإقرار بها، خوف فوات الفرص يدفعني لفوات الحياة. تأجيل الفرص هو الخيار المنطقي ولكني أخشى العطب، أن أنكسر قبل خط النهاية وأعود لما قبل البداية، إلى قعر الألم. 

حتى مشاركة هذه الأفكار تخيفني، كيف سيقرأها زميلي في العمل، زوجتي، أصدقائي؟ هل تتحقق مخاوفي وأعامل

ككائن هشّ؟

السرعة تفقدني اتزاني خاصة بعد الهدوء الذي عشته العام الماضي. أفتقد التأمل، وافتقد معرفة نفسي. هل خواطري هذه غير مبرره وتدخل في حديث النفس السلبي؟ هل مشكلتي في رأسي فقط وأنا الذي أمنع نفسي من حياة أسعد؟ ربما أنا مرهق واحتاج المزيد من النوم

 

شكرا

 

الرياض في الخامس من أكتوبر ٢٠٢٥

هُدهُد

تم تشخيصي باضطراب تشتّت الانتباه وفرط الحركة، وهو أمر كنت أتوقعه. كانت عملية التشخيص من زاوية نظري جيّدة مقارنة بتجربة أحد الأصدقاء والقصص التي أطلعت عليها في فضاء الانترنت، فالتشخيص تمّ من قبل متخصّصتين في جلستان منفصلتان مجموعهما يقارب ١٥٠ دقيقة، شملت نواحي مختلفة في حياتي السابقة والحالية تخلّلها بعض النقاش وأسئلة من طرفي. في نهاية الجلسة الأخيرة أخبرتني الطبيبة النفسية بالتشخيص على الرغم من عدم وجود حاجة لتدخل علاجي أو سلوكي، كون الأعراض لا تؤثر بشكل كبير على حياتي اليومية (فنكشننق). حتّى يطمأن قلبي أكثر سألت الطبيبة عن مدى الثقة بالتشخيص؟ وإمكانية نفي وجود أعراض فرط الحركة وتشتت الانتباه عندي، فأجابت أنه وعلى العكس هي ترى إثبات وجوده

وأنا أخرج من العيادة أحسست أن التشخيص كان أسهل مما توقعت ولم تتّضح أي مشاعر واضحة حوله. وبعد مرور أيام عديدة، لازلت أشعر أنه ليس يقينا لكن ربما هو خطوة إضافية أو قرينة أخرى تدعم ظني بكون عقلي مختلف ويعمل بنمط يشابه مجموعة من المختلفين الآخرين، يتفرّد كلّ منهم بغرابته الخاصّة. لاحظ أحد الأصدقاء أنّ اختصار “فرط الحركة وتشتت الانتباه” (أي دي اتش دي) يشابه لفظة “هدهد” وأعجبني هذا الوصف اللطيف فتبنيته. على الرغم من حذري المتوجّس من الوسوم “ليبل” المبني على قناعة أن هذه التصنيفات افتراضية وأنها قد تقود إلى إستدخالها بشكل يؤثر سلبيا على المشاعر والأفكار والسلوك، حتى إن كانت خاطئة، أعتقد أنه من المنطقي وضع وزن لهذا التشخيص بل واعتباره نقطة مفصلية خاصة في غياب خيارات أفضل، وعليه سأفترض أني أحد قبيلة الهداهد حتى يثبت عكس ذلك

الأسبوع الماضي كان مزدحما بأحداث كثيرة وضاغطة ولاحظت أني كنت أبعد ما يكون عن الإتزان والتنظيم والهدوء على الرغم من الإنتاجية العالية، وأظن الوقت لازال مبكّرا لمعرفة مدى استدخالي للهوية الجديدة وتأثيرها. اتفق مع تقييم الطبيبة بعدم حاجتي للعلاج في الوقت الحالي، ويكفيني كون عملية التقييم كانت خطوة باتجاه فهمي لنفسي وكيف يؤثر نمط تفكيري على حياتي اليومية واحتمالية تغذيته لنوبات الاكتئاب، حيث آمل أن أجد نمط حياة يناسبني ويجنبني الوقوع في مساوئ هذا النمط من التفكير. أن أجد طريقا في الحياة يناسب غرابتي الخاصة ويقلّل من الخسائر غير الضرورية ويقلّل تأثيري السلبي على من حولي، خاصة الأحبّة. أظنّ وصولي لمرحلة عمرية لا أقلق فيها كثيرا من كوني “مختلفا” أو يقضّ مضجعي استنكار غريب لسلوك يراه فيّ غريبا يقوده لحكم سلبي عني. قرأت في مكان ما حكمة أجنبية تقول

“people who mind don’t matter and people who matter don’t mind”

شكرا 

الرياض في الحادي عشر من ديسمبر ٢٠٢٤

انتصاف

لم تَنتصِف سنة التفرّغ بعد ولكنّ اتضّحت معالم النصف الأول بشكل كافِ لتأمّل سريع لا يهدف للتقييم. كما توقّعت، مَضت الأيام كأمواج تَحملني أكثر ممّا أسبح فيها.  تأمّلت كثيرا في نفسي وطريقة حياتي، تأمّلا لا يتّسم بالسكينة والسلام والرضى كما رَجوت ولكنّه تأمّل أشبه بالحياة، تخلّله التوتر والألم وكثيرٌ من عدم الوضوح. لازال الطريق طويلا للحكم بالشفاء النفسي الكافي لتجنّب نوبات الاكتئاب الشديدة، ولكني اليوم أكثر استقرارا ووعيا بتقلبات مزاجي وما يمكن أن يخفضه أو يحسّنه، ويظلّ الشتاء الذي فتح أبوابه هو الاختبار الأوّل لمدى التحسّن في لياقتي النفسية ومراجعتي لبعض الأفكار المغذّية للاكتئاب

لم تَكُن الفعّالية أو الإنجاز هدفا رئيسا من هذا التفرّغ ولكني كُنت أرجوا أن أقوم بأعمال تحتاج تفرّغا كنت أؤجلها لسنين، أو على الأقلّ أُقيم هيكلها لأستطيع أن أضيف عليه تدريجيا ولاحقا حال عودتي للوظيفة. لكن، اكتشفت أن ذِهني غير قادر على التركيز في أكثر من مهمّة، وعندما أحاول عمل ذلك ينتهي الأمر بفشلها جميعا. لاحظت الشهر الماضي أني أخصّص أسبوعا للتصوير وتعديل الصور ونشرها، ثم أقضي أسبوعين للكتابة والعمل على مشروع مشترك، وقبل ذلك قضيت عدّة أسابيع متفرغا لمتابعة أعمال بناء و ترميم ضرورية. الإشكالية أني وعند أوّل فرصة أترك المهمّة وأقفز لأخرى دون إنهائها أو إهدارا لتركيز و مزاج ابداعي تكّون

أجد نفسي تميل للجدولة بمعنى تحديد مهام والتركيز عليها ضمن وقت محدد، ولكن أشكّ بأن  وجود الخطوط الميتة (ددلاين) ستحلّ المشكلة أو كونها متّسقة مع نمط الحياة البطئ الذي أرجوه خلال هذه التجربة. ربمّا أجرب “التفرّغ” كمقاربة بديلة بحيث أهيء نفسي للتركيز على مهمّة واحدة دون انتظار القفز لأخرى عند أقرب فرصة؟ ربما الحلّ في الاتجاه المعاكس عبر التخلّي عن التقويم تماما والابتعاد حتى عن الساعة والجوال الذكي؟ وربما أجد الجواب داخلي في تقبّل التجربة كما هي وعدم توقّع نتائج محددة تخيب الآمال دونها؟

يراودني خوف وشكّ في عدم إكمالي لمغامرة التفرّغ، فتتضخّم المخاوف المالية على الرغم من كون المصاريف محسوبة، وتلكز خاصرتي فكرة البحث عن فرص وظيفية قد تفوت أو لا تتوفر لاحقا، يشدّ من أزر تلك المخاوف الشبح الأكبر ذا الصوت الخافت بكوني أقوم بفعل ساذج وغير مسؤول ربمّا يكلفني الكثير. يحدّثني صديق عن فرصة وظيفة جيّدة فأخاف فواتها وأخاف حصولها! منطقيا، أنا مقتنع ومستعدّ للتضحية بسنة من عمري وجهدي ودخلي من أجل تجربة حياتية وروحية وفنيّة مختلفة، أخرج منها بفائدة أيّا كانت، ولكن عدم ثقتي بنفسي تؤرقني، ربمّا الأمور يجب أن تكون هكذا؟ أن نتقدّم رغم الشكوك؟ لا أعلم 

شكرا

الرياض في التاسع عشر من نوفمبر ٢٠٢٤ 

سيرة الألم

أعتقد أن طفولتي كانت سعيدة، وإن شابَها كثير من الآلام الجسدية. كانو يردّدون في المدرسة “العقل السليم في الجسم السليم” وأردّد معهم، على الرّغم من كوني شاهدا على خطأ تلك المقولة، فقد كُنت طِفلا سقيما يَحمل ذِهنا متّقدا وذكاء حادً!  لا أتذكر إصابتي بمرض خطير في سنواتي الأولى، والتي ذَكَرت أمي أنه أحالني من طِفل ممتلئ إلى جسد نحيل بشكل استثنائي، لازمني حتى الجامعة. ولكني أتذكر جيدا الكُسور التي كانت تزورني سنويا، مرّة أو مرتين

أتذكّر الألم بداية الإصابة كونه لا يطاق فيذهلني حتّى عن التنفس! وما أن يستقر سكين الألم الذي انغرس حتى تأتي دوخه وينهار جسدي فلا أستطيع الحراك لدقائق. خلال الرحلة للمستشفى التي أصبحت روتينية مع والدي أو أحد الأعمام، أتذكّر أن الألم يهدأ بشرط عدم تحريك موضع الإصابة، لكن الألم يتحول إلى قلب نابض يتناغم مع ضخ الدم في عروقي، وأذكر حرارة الجبيرة بعد لفّها فوق طبقة القُطن حيث تُصبِح حامية وهي تنشفُ بسرعة. أذكر الحكّة التي تأتي بعد فترة ليست قصيرة والتي قيل لي أنها علامة تعافي فأتقبلها وأنا أحاول الحك تحت القطن من أطراف الجبيرة، وتزاد الرغبة الحكحوكية وتصل ذروتها عند إزالة الجبيرة وتعرية اليد أو الرجل ورؤية الجلد المتجعد كوجبة شهية لأفركها منتشيا

“انتبه تنكسر!” وتحذيرات شبيهة كانت تصدر ممّن حولي وأنظر لها كتنمّر واستنقاص، بينما أفهم اليوم أن غالبها رحمة. مع كثير من العناد وقلب أم كبير تركني وما أريد، عشت حياتي كأقراني وأخوتي فلا أذكر أني امتنعت عن فعل شيئ خشية الإصابة، مع شكّي بأن الآخرين كانوا يرأفون بي، وكان الثمن طبعا زيارات متكرّرة للمستشفى تخلّلها بعض التنويمات عندما كبرت وزادت قوتي فزادت قوة الإصابة. هشاشة عظام هو العنوان الذي اتفق عليه الجميع حينها، فجائتني النصائح بشرب الحليب الذي كنت أكرهه، وكانت أمي تربط بين مشاكلي الصحية من كسور ونحافة وقصر القامة فتجتهد بأخذي لعيادات مختصّة لم تكن تغيّر كثيرا من وضعي الصحي، ولكني أحسست بحبّها يرافقني في كلّ خطوة، وعندما كانت تشتري لي الكورن فلكس الذي أحبّه أملا في زيادة وزني

توقفت الكُسور في المراهقة واكتسبتُ الكثير من الوزن متجاوزا الحدّ الطبيعي في الجامعة، وحينها علمت أن معاناتي كانت نتيجة مرض جيني يسبب هشاشة العظام التي تتوقف مع البلوغ، فنظرت للموضوع على أنه فصل من الحياة مضى وانتهى، ولكن. عندما أظلتني غمامة منتصف الربعين أطلّ معها هذا الماضي الأليم برأسه، فلقد وقع لي حادث بسيط نتج عنه كسور متعدّدة، وعندما عُدت لأقرأ عن مرضي السابق وجدت أن أعراضه قد تعود بعد الأربعين! ليراودني شبح طفولتي الهشّة وضَعفُها من جديد

كانت الإصابة في الأضلاع رافقها ألم حاد في البداية ثمّ هدأ مع السكون، معيدا ذكريات الماضي، لكن يبدو أنّ هذه الإصابة لعينة بشكل استثنائي فلا توجد جبيرة لكسر الأضلاع ومع كلّ حركة قيام وجلوس واستواء يتجدّد الألم، والمصيبة عندما يحدث سعال أو عطسة فيتحرك الكسر بشكل كبير فتأتي طعنة التي لا يصدها أقوى المسكّنات. لأسابيع صارعت ألما أسوء من أي وقت مضى، شديد ومتكرّر يحرمني النوم كلّ ساعة وأقلّ، ما جعلني أتأمّل بأفكاري وأشعر بانفعالاتي خلال هذه المحنة

في البداية كانت الأفكار والمشاعر التلقائية السلبية مثل الحزن ورثاء الذات والتساؤل عن سبب حصول ذلك لي دون الآخرين وكيف أني سيء الحظ، وما إلى ذلك. لكني لاحظت عدم انغماسي في هذه الافكار والتركيز على اللحظة ومحاولة التعامل معها بشكل أفضل، ثم محاولة استغلال الفرص المتاحة ما أمكن والتي لم تحدّها الإصابة أو الايجابيات التي نَتَجت عنها. في بداية الإصابة كنت أتحرّك بشكل محدود وكنت مع مجموعة فحاولت مشاركتهم الفعاليات والاستمتاع بالتجربة إلى حدّ كبير، ومع تطور الإصابة اضطررت لدخول المستشفى ما أحاطني بالكثير من الحب والرفقة الجميلة فحاولت قضاء وقت ممتع معهم ما أمكن، وأن لا يذهلني الألم عن الأرواح الجميلة حولي وابتسامة حبيبتي المذهلة

لمدّة أسبوعين من الإصابة التي هيمنت على حياتي اليومية وحرمتني النوم، حاولت تخفيض معاناتي النفسية عبر التأمل والقراءة ومشاهدة الكثير من المقاطع السخيفة. خلال هذه التجربة، لا أعتقد أني قمت بشيء استثنائي بقدر ما ظهر لي مقدار التغيّر الذي حصل في شخصيتي خلال السنوات القليلة الماضية. واليوم أبدأ رحلة فهم وضعي الصحي بشكل أفضل والتفكير في طرق التعامل مع الضعف البدني الذي يراودني مع التقدّم بالعمر، مذكّرا بضرورة الاعتناء بجسدي والتزام نمط حياة أكثر صحّة 

شكرا 

الرياض في الحادي عشر من نوفمبر ٢٠٢٤

أوراق الخريف اليابانية

إقليم ناغانو، محافظة إيدا، هجرة أوديرا، بيت كاميّا. عُنوان كبسولة الزمن التي عشناها في العشر الأواخر من أكتوبر للعام الرابع والعشرون من الألفية الثانية.  وقتٌ مستقطع من تيّار الحياة بحثا عن شَذَراتٍ من السّكينة ووضوح الرؤية، وفي محاولة لاستكشاف عادات تَنقل البِذرة معنا للوطن، تُداري شَمعة البصيرة في وجه رِياح المشاغل اليومية والعيش الآلي. 

بيت كاميّا احتلّ مَكانَهُ ضِمن قرية يابانية تقليدية طِوال ثلاث عصور من التاريخ الياباني، وكأن موقعه الجبلي يسمو به وينأى عن مظاهر التحديثِ والتغيّر، فاحتلّت النار مَركز الكُوخ مُقدّمة الدّفء وطهي الطعام وحتى الإضاءة. نِمنا على الأرض وتشاركنا خِدمة بعضنا ومارسنا بَعض رياضات الجسم والعقل فنشطنا للحركة والقراءة والكتابة بما لا يتأتى ولا يُتاح عادة، وبشكل خاصّ لحظات الصفاء والتأمّل التي تتخلّلها أصوات الغابة وأشعّة الشمسِ الدافئة في حُضن رِياح الخريف المُنعشة. كان الانقطاع عن التقنية مريحا والإحساس بالوقت بعيدا عن الساعات غريبا، يَحمِل اتّساقا مفقودا مع الطبيعة، فيرتاح الوقت من تشريحه لِقِطَعٍ عشوائية صغيرة ليعود مُكتملا في فُصول تميّزت ملامحها وقت المساء والفجر والظهيرة والعصر، بعيدا عن قَلق عدّ الدقائق والخوف من إهدارها. 

  طهَونا طعامنا وفق التقاليد اليابانية واستحضرنا قِيم الإحسان في العمل فاجتهدنا في صيانة الكوخ وترتيبه وِفق سنّة القوم وجميل صُنعِهم، لنتحلّق نهاية اليوم حول حَديثِ الضوء نَتَحاور ونُمارس تقليد الهانسي كاي “حديث المراجعة” لاستخلاص العِبر من أحداث اليوم المُنصرم. الحياة على بصيرة  أو الحياة المُقتصِدة، تَقصّدا في استحضار الهدف فيما نَفعَل واقتصادا في استهلاك الموارِد سعيا نحو البساطة في العيش والتخفّف ممّا يَزدَحِم الحياة ويزيد التكلُفَة المادية والذّهنية، هو نَمطُ العيش الذي نتذوّقه في مُخيم نامان، وطوبى لِمن عَرَف الطريق فَلزِمه.

تَسلّق الجبال أهونُ من تغيير العادات والنفوس والتحدّي الظاهر أيسَرُ من الخفيّ الأَعسر، وعلى هذا المِنوال ارتقينا أعقاب الجَبل المُجاور لكوخنا باتجاه السماء عبر طريقٍ غيرِ مُمهّد، إلا أنه كان في مُجمله أشبهَ بِنزهة وترويح من إلزامات النفس خلال مُمارسات المُخيّم. لم تكن القمّة مُذهلة ولكن المسير كان قيّما ويستحقّ إحتفاء مُصافحة الجبل في تواضع واحترام يليق بمخلوقات الله العظيمة. يَصعَدُ كثيرون الجبال فُرادا ضمن آخرين وينزِلون دائما مجموعة، فالطريق يُصبح أقصر والمشقّة أهون والزادُ أعذب مع الأخوة والأصحاب.

الليلة الأولى وفي لجّة الأحلام التي تداخلت مع صوت المطر الغزير والرعد خارج جدران الكوخ الرقيقة، طغى الخيال فظننت أن السيل سيجرفنا عن الأرضية الخشبية، ليأتي بعد ذلك نهار مشمس جميل كان فرصة لغسيل الملابس وتنشيفها ثم الالتفات لمهامنا اليومية، مع استراق لَحَظات من المُتعة خارج الكوخ. كَما الحياة، لم تَسِر الأمور كما خُطّط لها وتم التعديل وفُق الحاجة، تَفاوَت المشاركين في مجاهدة النفس لتحقيق الأهداف ولعلّ مَن لاقى المشقّة كان أكثر فائدة بمقدار التغيّر الذي حَصل له مُقارنة بحالِه السابقة. على الرغم من تمايُز الشخصيّات والاهتمامات إلاّ أنّ الجهد المبذول في إنتقاء المشاركين انعكس في جو من اللطف والأدب الجمّ داخله مرح رزين. 

انتهى معسكر نامان والنفسُ لم تشفِ ظمأها من معينهِ، علّه يعينها في القادِمِ من الأيام مرشدا لرحلة تعلّم أطول وأكثر

خصوصية

شكرا

الرياض في الرابع من نوفمبر ٢٠٢٤ 

مجنونة


يُطلق على الأشخاص الموهوبين في الزراعة وصف “إبهام أخضر” وللأسف لم أكن ضمنهم أبدا، فكل النباتات التي امتلكتها ماتت بعد فترة قصيرة، ماعدا صبّارة صَبَرت معي مدة استثنائية تخطّت السنة. مع الاستقالة والتفرغ الحالي بدأت أهتم بحديقتي بعد إهمال طويل، ووجدت نبتة استثنائية نجحت بجمال فائق على الرغم من الإهمال الممتدّ. أسمها الأشهر “الجهنمية” وأذكر من طفولتي إسما آخر لها وهو المجنونة

كلا الاسمين يَشِيان بطبيعةٍ غير طبيعية للنبتة يُصادق عليها من عايشها وشاهد السرعة الفائقة لنموها وقدرتها على الانتشار في أماكن تبدو مستحيلة. أزهار الجهنمية جميلة لكنها لا تأتي بسهولة، بل أنها تستعصي أحيانا على من يحاول استعجالها فلا تظهر لمن يسقيها بشكل كافي، فلا تكاد تظهر الأزهار إلا في حال الجفاف فقط، وكأنها تعاقب من يهتم بها أو تحمِل شخصية مازوخية تستلذّ سوء المعاملة 

الظاهرة الجهنمية يمكن تفسيرها بكون النبات يحاول التأقلم مع البيئة المتغيرة بشكل كبير عبر استغلال الفرص وتبني نمط نمو مناسب لكل حال وموسم، فعندما يتوفر الماء يطمئن النبات ويبدأ نمو فروعه وأوراقه ويمتد حجمه، وعندما يبدأ موسم الجفاف ولا يتوفر الماء الكافي لتغذية الحجم الكبير يبدأ النبات في التوقف عن النمو ويبدأ بالإزهار لإنتاج البذور والتي تضمن استمراره في حال اشتد الجفاف وماتت النبتة

أجد في الجهنمية انعكاسا لنفسي التي أزهرت وتألقت لعقود في ظروف صعبة، واليوم أجد في نفسي خفوتا للألوان ورغبة في التركيز على النمو وترسيخ الجذور. كثير من الأصدقاء (مثلي) الذين فرضت عليهم الحياة الصراع فصارعوها ونجحوا لحد بعيد يستحقّ الاحترام، يَستصعبون الاستراحة وعقد سلام مع الحياة، التي لا تدوم على حال. لا أشكّ في كون الصراع والتحدّي جزء من الحياة وضروري للبقاء والازدهار، ولكنه ليس كلّ الحياة. طيلة حياتي شعرت أني في سباق مع الحياة التي تسبقني دائما بخطوة، حياة مؤجلّة انتظر عيشها، باستثناء لحظات متعة مؤقتة 

خلال بِضع السنوات الماضية راودني إحساس بدهشة الطفولة وإني أحاول إعادة فهم الحياة والعالم من حولي، ولربما في ذلك إشارة لرغبتي في العودة لفترة النمو، فترة الطفولة والخيارات المفتوحة، قبل القوالب الجامدة. يُصادق على ذلك تساؤلي الداخلي عن الطريق الذي سأسلكه لاحقا كمصّور  أو كاتب أم أعود للعلم من باب آخر، صدى لسؤال الأطفال “ماذا ستصبح عندما تكبر؟” سأصبح جهنمية 

رحلة أخرى جديدة مثيرة لتعلّم العيش مع النباتات والعناية بها، أتمنى أن تساعدني في التركيز وتعلّم الصبر. لربما مشاهدة النباتات تنمو ببطء وملاحظة تغيّر أحوالها ومحاولة تشكيل مصيرها عبر اختيار سيقان صغيرة لإزالتها وترك أخرى تتحوّل لجذوع قوية، تحمل في طياتها دروس مفيدة؟ يقول علماء النفس أن الاتصال بالطبيعة يعزّز الصحة النفسية، وآمل ذلك. 

شكرا 

الرياض، العاشر من سبتمبر ٢٠٢٤

هبوط غير مفاجيء

كنت أحس بمزاج جيّد ومستقر طوال الأسبوعين أو الثلاثة الماضية وبدا لي أن تغيير أسلوب حياتي ساعدني في مواجهة الاكتئاب، إلا أني كنت أعلم أنه مستتر تحت السطح وليس ببعيد. ذكرت سابقا أن الاكتئاب يستنفذ طاقتي النفسية فأصبح كمن فقد لياقته ويتعب لأبسط مجهود، وهو ما حصل. 

ضمن جلسات العلاج النفسي أقوم برصد وتحليل المواقف التي تسبب هبوط بالمزاج، وحصل معي موقفين الأسبوع الفائت عاد مزاجي بعدها للارتفاع بساعات قليلة، ولكني هذا الصباح أحس بشكل مختلف، أسوأ وأكثر عمقا. أحس بأني تجاوزت طاقتي (أوفر ويلمد) بسبب مشكلتين المفترض أنها بسيطة ويومية. أيضا مع انخفاض مزاجي عادة ما ترتفع حساسيتي وانزعاجي من الآخرين فتحسّست من موقف مع صديق، ما عمّق احساسي بالحزن

في الجلسة الأخيرة بدأت أحسّ بفائدة العلاج النفسي وأصبحَ مُقنعا أكثر. ما شدّ انتباهي على الخصوص هو  كون العلاقة بين المزاج والسلوك قد تأخذ أكثر من اتجاه، وليس بالضرورة أن يكون المزاج هو القائد والمسيّر لحياتي. أعلم جيدا كيف أن انخفاض مزاجي أحيانا يدخلني في دوامة هابطة (سبايرال) بحيث أشعر بالرغبة بالانعزال والذي بدوره يعزز المزاج السيئ ما يدفعني لفعل أشياء أخرى لربما تزيد الوضع سوء

“اتبع الخطّة، لا تتبع المزاج” هي نصيحة المعالج وفِكرتها تكمن في عدم الانسياق وراء المزاج السيء وتركه يقرّر السلوك وإنما محاولة الالتزام بالروتين العادي، بل وحتى تقصّد فعل بعض الأشياء التي تقاوم المزاج السيئ وتجلب البهجة. تذكّرت أني قمت بشيء مشابه العام الماضي عندما لاحظت أن الوجوم استمر معي لليوم التالي من المرور بموقف وأني قد أكون بدأت الانزلاق نحو نوبة اكتئاب، فتوقفت عن العمل (مصدر التوتر) وانشغلت بممارسة التصوير ليومين وقابلت صديقا مقرّبا، ما أظنه ساهم في كسر حلقة الأفكار والمشاعر السلبية. مع ذلك، كلمات المعالج جعلتني أكثر فهما للعلاقة بين المشاعر والسلوك ووجود خيارات للفعل بدلا من “الاستسلام” والذوبان في زاوية الاكتئاب المظلمة “المريحة”. 

الكثير من قطع الغيار حاليا في السيارة والتي لازالت تصدر أصوات وحركات مزعجة، ومع ذلك مررت بجانب الورشة وأكملت الطريق نحو المقهى المفضل من أجل تجربة جميلة وفرصة للتعبير من خلال هذه النافذة

لن تنتهي المشاكل وسيأتي غيرها ومن الأفضل لي التعوّد على وجودها ومحاولة التعامل معها بشكل أفضل. لا تزال روحي مثقلة ونفسيتي هشّة ولكني اليوم عندي ثقة أكثر بقليل حيال قدرتي على مواجهة الاكتئاب بمحاولات ستصيب وتخطئ، ولكن المحاولة على الأقل قد تساعدني في مواجهة شعور العجز القميء والذي يميز الاكتئاب والذي يوصف بأنه انطفاء (شت داون)، واحيانا يكون الانطفاء مغري بالراحة، وهو إغراء جدّ خطير. 

شكرا

الرياض، الخامس من سبتمبر ٢٠٢٤