الرسالة الأولى: اليوم السابق: الرحيل

إلى نامان الحكيم
شكرا لرفقتك القيّمة في رحلتي، وإن لم تحضر جسدا وصوتا فقد شكّلت جهودك وآرائك ملامح الطريق، ويكفيني مرشدا استحضار معيّتك نهاية كل يوم في الرحلة لأدخل حوارا معك وفق سنّة الهانسيكاي التي أخذتها عنك، مراجعةً وتحسيناً لنهج الرحلة وتفكّراً بمآلاتها
أحتسي قهوتي في المطار لا كما كنت أفعل سابقا سائحا أو ساعيا لعمل، وإنما هي وجهة مختلفة لا تحتاج طائرة أو قطارا، رحلة في النفس وحوارا معها وتأمّلا في الحياة والمعنى الذي أصنعه منها. أرجوا أن يكون الإنقطاع عن المألوف من الأقوال والأفعال والعلاقات مُعينا على هذا التفكّر وإبطاءً لعجلة دوران الحياة اليومية، التي لا تتيح لنا كثيرا من الوقت أو عمقا في التفكّر لمراجعة الوجهة وخيارات عيش الحياة القصيرة ومعنى الأشياء التي نفعلها وأهميتها. أعترف أن هذه الصحوة والقرار بالانعزال لما يزيد عن أسبوع للتأمل في هذه القضايا لم يكن نتيجة جرأة ووعي وقدرة على تحدي تيار الحياة ومشاغلها، بقدر ما كانت ظروفا مواتية ونافذة فُتحت، على الرغم مني
تخطيت منتصف الأربعين، وأجدني اليوم بلا إجابات كنت آمل وصولها قبل ذلك بكثير، بل أجدني اليوم أشبه بحالة الطفولة مليء بالدهشة والاحتمالات الكثيرة والأسئلة الأكثر. قَطعتُ شوطا طويلا في التعلّم والمهنة لأغلق بابها دون ضجيج الناقدين واللائمين والمشفقين، لأفتح بابا فيه الكثير من التجريب والإثارة والمتعة وأيضا المخاطرة، طريق يحفني فيه ثلّة من القلوب المحبّة والعقول النيرة. على ما يبدو من وضوح في هذا التحوّل إلا أنه يتطلّب الكثير من التأني والتأمل والقرارات، والأخطاء. وبداية الطريق وتحديد وجهته بلا شكّ أحق بالتوقّف والتفكّر.
أسعى في الأيام القليلة القادمة أن تهدأ روحي، أن تتضح رؤية ما أريد أن أصنع في عدّة مشاريع تجريبية قررتها أو حتى التراجع عن بعضها، وأن أتلمس أسلوبا للحياة يشبه ذاتي الحالية. أشعر بضبابية من صحى توا ولم يدرك الحد بين الحلم والواقع، أين هو؟ وما الوقت؟ وعضلة التفكير لم تعمل بعد.
خرج النداء يدعوني لبوابة السفر، لأتركك الآن وأعود لك غدا في مساء هادئ لقرية عمانية تغفو بين أكناف الجبال.
الرياض، مطار الملك خالد، صالة ٣
فجر اليوم الثامن من فبراير للعام ٢٠٢٦








