الرسائل النامانية في الديار العمانية ٨

الرسالة الثامنة: اليوم السابع: شجرة

إلى نامان الحكيم

تحوّلت اليوم من مقام الأمبا إلى مقام التينة، ولقد تبنّيت اقتراحك بأن تكون التينة مكافأة التزام الأيام الستّ، وقد كان. حزمت حقيبتي بعد الإفطار وانطلقت مع عبدالله عبر القرية القديمة ومقصدنا تتبّع الفلج الأكبر نحو مصدر النبع أعلى الجبل، مع وقفة شخصية قبل ذلك. مررنا مسقط رأس أبا عبدالله في بيت مهجور بني في السبعينات ترك على حاله وكأنه كبسولة زمن أعادتني لطفولتي في الثمانينات، زمن الطيبين. بيت من الخرسانة لكني أزعم أن فيه من الهويّة والحنين ما لا يقلّ عن بيوت الطين، وفيه أيضا الأبواب الحديدية المزخرفة التي أوقعتني عُمان في حبها.

انطلقنا مخترقين متاهات دروب القرية لنظهر على سفح الوادي متتبعين الفَلَج الشريان الأكبر للقرية نجسّ نبضه الخافت بسبب قلّة الأمطار إلاّ أن قلبه النبع لازال نابضا يمدّ القرية بالحياة منذ قرون. مررنا بعدّة أبراج حماية تشي بجانب عنيف من الماضي نختار غالبا تجاهله، وبدا لي الفلج مختلفا عن حاله أسفل القرية بين المزارع، فلقد توقّعت أن يزداد الحجم ولكني تفاجأت بوجود الحياة حوله وداخله من أسماك صغيرة وضفادع وسحالي كبيرة. اغتسلنا عند النبع وعدنا أدراجنا لتصوير باب أخير في مصافحة وداعية للقرية، قبل الخروج منها للتسوق ثم بيت التينة على السفح المقابل للقرية القديمة، أرقبها من بعيد كصديق أعرف تفاصيل وجهه جيدا كأني ألمس تعرجاتها.

لا أعلم إن كُنتَ قابلت أبا عبدالله في زيارتك الأسبق، ولكنه شخص مثير للاهتمام، ومختلف. لربما أجدني لأوّل مرّة أمام ما يبدو لي إنطوائيا عاش في قرية، فأتخيل الضغوطات الاجتماعية التي لربما تعرّض لها، ثم أتذكّر سماحة العمانين فأرجوا أنها رأَفت به. رجل دمث قليل الكلام لا أظنه تحدث عن نفسه دون أن يُسأل، غارق في أفكاره لا يبادر بالاحتكاك بالآخرين إلا ردا على السلام، ومع ذلك وجدت له صديقا في القرية يتلهف على رؤيته واحتفى بي كرامةً لأبي عبدالله.

أبا عبدالله وحمد وغسان وعبدالله جاذَبْتُهم الأيام الماضية أكثر من الأحاديث العابرة وأشعر أني انكشفت على جوانب أصيلة من شخصيتهم، وبعدُ حسين البريطاني من أصل إيراني الذي شاركته جولة ووجبتين لكني شعرت به كصديق قديم. آتي لقرية صغيرة في رأس جبل باغيا الانعزال والتخفف من العلاقات لتتبدّى لي فرص صداقات جديدة، بالضبط كما حصل معك قبل سنة ونصف، وقد أصبحتَ من أقرب الناس لي!

أحاسيسي مشوّشة اليوم فلا أدرى هل أنا سائح أم معتزل أم عامل على مشروع؟ فلا أظنّ أن الجمع بينها متيسّر، ولربما تتضح الرؤية بختام الرحلة؟

عُمان، مسفاة العبريين، بيت التينة

مساء الرابع عشر من فبراير للعام ٢٠٢٦