نداء

إلى نامان الحكيم 

سلام من الرحمن على الأصدقاء الأوفياء، خير زاد وكنز عظيم خلت منه خزائن الأغنياء.
 أبعث لك خواطري تترى دون تنسيق أو تزويق، مسترشدا حين ضياع، فكن لي شمس تبريز أكن لك روميا

أما بعد، فقد تجاوز عمري انتصاف الحياة، وكنت آمل في مقتبلها أن يتّضح الطريق وتهدأ النفس في الأربعين التي أشعلت الرأس تساؤلا، فلا علمٌ يفيد ولا خبرة، سوى التعلق بأهداب المحبّة والخالص من الأحبّة. يبدو لي أنه لطالما كان مسار حياتي الماضية مرسوما بمعالم واضحة من دراسة ومهنة بخطوات وتوقعات واضحة، فما أن حققت جلّها وزهدت بالباقي حتى غلبتني الحيرة بما أصنع بحريّة أن أكون أي شيء أريد، فتحقق عندي مراد العظيم فروم من تأليف كتابه المعنون بالهروب من الحرية

أخي المحب. أنا اليوم خليّ من ارتباط العمل والعلاقات التي تقيّد جلّ الناس وتشدّ أوتادهم للأرض، أنعم بصحة جيدة آمل رعايتها ذخرا لشيبتي والتمتّع بباقي الأيام. تنزعُ نفسي للتخفف من الأشياء والأفكار، طمعا في التركيز على كلّ ما يحمل معنى عميقا ويشبهني من علاقات وأفكار وإنتاج، وأعاني من تشتت عقلي وجهدي بين مسارات متعددة من الإبداع مثل التصوير والكتابة وصنع الأشياء اليدوية. عقلي كهدهد كثير التنقل يشدهه أخفّ الأصوات وأتفهها عمّا كان يصنع، ما خلق غرابة كنت أحبها واليوم أجدها متعبة. عندي ما يكفي من القوت لعام أو يزيد، آمل أن أكرسه لتجربة أسلوب حياة مختلف، من بين عدّة مسارات استكشفتها سابقا قبل عام مضى وتجربة خلت تشابه بدرجة أخفّ ما أنا بصدده اليوم. أودّ مراجعة المهم في حياتي وما سأخسره لو اكتفيت به، فقد تخليت منذ زمن عن فكرة أن أعطى أفضل مالدي، كونه يستهلكني فلا يبقى شيء، ولا شيء يستحق الفناء فيه سوى الحب

أَعلَمُ أن الهوية قرار، فلا تُستجدي من الآخرين، إلا أنها تنبع من التجارب التي تكشف طياتها الخفية عن الذات، والآخرون أحيانا مرآة تكشف لنا أفضل وأسوأ وأعجب ما جهلناه عن أنفسنا وما يمكن أن نكونه. وقد آمنت منذ وقت  أنه لا بد من البروز للحياة حتّى تحسّ بنسائم العيش وتحدث لك عجائبها، وأنا مدين لتلك الأحداث والأشخاص الفُرداء الذين لم أكن لأقابلهم لو سكنت للمعتاد المألوف ونفور النفس من المجهول. أعلم أن شخصيتي تغيرت مع السنين وأكاد أجزم أن من عرفني قبل عشر سنين كان ليُنكِرني اليوم بعد الغياب. و أنا بعد لازلت أُصنَع بالتجارب والأشخاص والتأمّل، إلاّ أني اليوم أقلّ مقاومة وأكثر استسلاما لنواميس الحياة

أعلم أنّ ما أطلبه عزيز، حتى على حكيم مثلك، وإنما هي مشاركة الوجدان طمعا في لمعة خاطر لطالما تفكّر في أحوال الإنسان، وبلغ مرتبة عالية في حوار النفس فاق بها الأقران